لينُ القُلوب

د. مايا الهواري

خلق الله الإنسان وجعل في أحشائه كتلة صغيرة تعمل عملاً جباراً، ألا وهي القلب المسؤول عن أمور كثيرة رغم صغر حجمه، والتي لا يمكن للإنسان أن يحيا من دونه، هذه الكائنات الصّغيرة أمْرُها بيد الله، فالقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فإن أراد الله بها خيراً أرسلها لفعله دون إرادة الإنسان، فهي المسؤولة عن الحبّ والكره ولكن دون تدخّل صاحبها بذلك، فالمحبّة من عند الله يزرعها داخل هذه القلوب الصّغيرة، وهنا نجد أنّ من أحبّ شخصاً أو شعر بالرّاحة النّفسيّة تجاهه يكون ذلك نعمة من الله، لأنّه كتب له القبول في قلوب عباده، فالله تعالى إذا أحبّ عبداً نادى في السموات يا جبريل إنّي أحبّ عبدي فلاناً فأحبّوه، فينادي سيّدنا جبريل أهل السموات أن أحبّوا فلاناً ربّي يحبّه، ومن ثمّ أهل الأرض أحبّوه فيلقي الله تعالى محبّته في القلوب.

وهذا دليل على أنّ الإنسان لا يستطيع أن يليّن قلوب الآخرين، فمن تآلفت قلوبهم وجمعتهم محبّة عارمة تُعتبر هذه نعمة كبيرة من الله، فالأرواح جنود مجنّدة ما تشابه منها ائتلف وما تنافر منها اختلف، وأيضاً يمكن للإنسان أن يعمل جاهداً لنيل محبّة الآخرين واكتساب قلوبهم بطرق عديدة، فالأدب والأخلاق التي أوصانا بها النبي الكريم، بأن يكون المؤمن خلوقاً مؤدباً متصفاً بمكارم الأخلاق والإحسان الذي من شأنه أن يكون جسراً يصل بين القلوب ويزرع داخلها بذرة المحبة ويرويها بالاحترام والنّيّة الصّافية لتغدو ثمرة كبيرة ناضجة من المحبّة، حيث لا يمكن اعتبار الأدب والأخلاق ضعفاً كما يقول بعضهم، بل هما سماحة نفس وطيبة قلب، لأنّ المؤمن سموح خلوق، وهناك حديث عن النّبي، صلى الله عليه وسلم، مع أصحابه يقول فيه: أتعلمون من يحرم الله وجهه على النار قالوا من يا رسول الله، قال: (كلّ هين ليّن قريب سهل)، فهؤلاء يحملون جواز سفر لدخول القلوب دون إذن أصحابها.

هذه الصّفات ما يميّز بها الله عباده المؤمنين عن غيرهم، وقد حثّ الإسلام على اتّصاف المسلم بها، لتعتبر وساماً على صدره ومنارة تشعّ فوق رأسه فيصبح بمثابة طريق سهل محب للآخرين.

نستخلص ممّا سبق، أنّ القلوب أشياء صغيرة نحملها داخلنا ولكن عملها بيد الرحمن وضعها لدينا وأمرنا بحمايتها والاعتناء بها، فليكن دعاؤنا أن يوفّقنا الله ويملأ قلوبنا عطفاً وحناناً على بعضنا، ويرزقنا الرّحمة، فالله رحيم، وأمرنا أن نكون رحماء بيننا.

إقرأ ايضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اخترنا لك
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى