كثيرة هي قصص الابتزاز الإكتروني، الذي تتعرض له العشرات من الفتيات في اليمن، عبر الإنترنت. كما تتنوع ظروف وقوع الفتيات في شراك المبتزين، بقدر تنوع أساليبهم أيضا.
ومن القصص الغريبة، للضحايا من الفتيات، أن تتحول قصة حب عميقة وملتهبة المشاعر، إلى تجربة مريرة، يتحول العاشق فيها إلى مبتز بشع، منزوع المشاعر والأخلاق. فيما الفتاة كالعادة ضحية ساذجة، تؤول عليها كل تبعات التجربة الكارثية التي عاشتها لسنوات حالمة.
تروي “ماريا” -اسم مستعار- في حديثها لـ “الشارع”، قصة حبها لأحد الشباب الذي تحول في ختامها، بعد خمس أعوام، من عاشق إلى مبتز سلبها حبها، وكل ما كسبته من أموال ومدخرات من عملها لسنوات. وهي تنتظر على أمل أن يأتي اليوم الموعود بأن تكون معه في أسرة سعيدة.
تقول ماريا، “عشت مع “س”، قصة حب استمرت خمسة أعوام، وهو يتعهد خلالها بالتقدم لخطبتي بعد أن يجمع مبلغا ماليا يستطيع من خلاله بناء نفسه، وتجهيز منزل نسكن فيه. كان لطيفا معي وبدى لي صادقا في وعوده الكثيرة التي قطعها لنكون أسرة سعيدة. ولم ألحظ أي تلاعب منه”.
وتضيف ماريا: “منحته الحب، ولم أتركه وحيدا في مواجهة متاعب الحياه والظروف القاسية. كنت معه بكل صدق وحب، مقابل وعوده الكثيرة لي والاهتمام بترتيب زواجنا”.
وتتابع: “بعد خمس سنوات، بدأت ألحظ على “س”، تغير مفاجئ ناحيتي، وكلما تحدثنا عن الزواج يعطيني مبررات كثيرة بعدم التقدم لخطبتي، بينها ظروفه المالية. قال لي ذات مرة إن أسرته رفضت ومنعته من الزواج بي، بحجة أننا من محافظات مختلفة. فهو من منطقة أرحب في صنعاء، وأنا من محافظة إب. مع ذلك واصل وعوده بالحب والعمل جاهدا من أجل إقناع أهله”.
عقب أعوام الحب الحالمة هذه، وجدت “ماريا”، نفسها بين براثن وحش منتقم. حول حياتها إلى جحيم مرعب، بعد أن منحته أكثر ما يمكنها من حب واهتمام. وكان “س” بالمقابل مثابرا في أي عمل يشغله، ويبحث عن فرص أخرى. قبل تحوله الأخير والمفاجئ. وفق ما تقول.
وتشير “ماريا”، إلى عدم بخلها على “س”، كلما واجهته مصاعب الحياة. فهي تشغل مركزا مرموقا في وظيفة حكومية، تعود عليها بدخل جيد.
وفي المراحل الأخيرة من العلاقة، أوهم “س”، “ماريا”، بالسفر، للبحث عن فرصة عمل في محافظة أخرى، بعد أن قطع التواصل معها لفترة قصيرة من الوقت. ليعاود الاتصال بها، ويخبرها أنه “بصدد البحث عن وظيفة تمكنه من جمع المال الكافي والتقدم لخطبتها. وأنه لن يتمكن من التواصل معها وسيغلق هاتفه، مقدما عددا من المبررات”. والتي بدورها صدقتها كالعادة.
من هذه اللحظة، بدأت العلاقة بالانهيار. وبدأ “س”، حينها بالكذب على “ماريا”، التي اكتشفت فيما بعد، من خلال تهنئة أحد أصدقائه له في فيسبوك بمناسبة زفافه، أنه “سافر إلى منطقته ليتزوج ابنة عمه”. لتنتقل العلاقة بينهما إلى طورها المرعب والموحش بالنسبة لها.
تقول “ماريا”، “حاولت التواصل معه، لكن دون جدوى. فعشت أياما وليال صعبة وقاسية، لعدة شهور، وافترقنا نهائيا. لكنه عاود بعدها الاتصال بي. ليخبرني، أنه وافق على الزواج من ابنة عمه تحت إصرار وضغط أسرته، واضطر للكذب عليها، وأنه لم ينساها وما زال يحبها، وأن زواجه إرضاء لوالديه”.
وتضيف: “حاول “س” إقناعي، بحبه لي وأنه لا يطيق زوجته وظروفه المالية والنفسية سيئة، وليس له غيري يساعده وينقذه مما هو فيه. فصدقت تودده وحاولت أن أغفر له ما فعل بي”.
عاد “س” إلى حبيبته السابقة، وقد رسم مخططا محكما، لابتزاز “ماريا”، التي لم تبخل عليه، بتدفق التحويلات المالية بمبالغ كبيرة ولمرات كثيرة ومتكررة، وصلت في أقل من ستة أشهر نحو 300 ألف ريال.
ومع تزايد طلباته في تحويل الأموال، لم تستطيع “ماريا” المواصلة، خصوصا بعد أن لجأت إلى إحدى صديقاتها. ونصحتها بالتوقف عن إرسال الأموال له، مالم يتقدم رسميا لخطبتها وتتأكد من حبه لها. من حينها أوقفت “ماريا”، صنبور مالها المتدفق، ولم ترد على اتصالاته ورسائله الهاتفية أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لتنعم بهدوء نسبي لمدة خمسة أشهر. قبل أن تنتقل إلى مرحلة شديدة الوطئة عليها وأكثر قساوة.
تقول “ماريا”، “بعد مرور قرابة خمسة أشهر، عاد للتواصل معي من رقم آخر، وعبر حساب جديد في التواصل الاجتماعي، على اعتبار أنه شخص آخر، محاولا الدخول معي بصداقة وتعارف جديد لاستدراجي بتكوين علاقة معه. فحظرته دون معرفة مني أنه قد يكون هو”.
وتتابع: “بعد أيام من حظر الحساب والرقم الجديد، تواصل معي “س” من رقم دولي مهرب، وعلى أنه شخص مجهول وصرح بتهديدات مباشرة، في حال حظرت الرقم”. وكشف عن تفاصيل حياتي التي لا يعرفها غيره”.
وتزيد: “هددني بنشر كل ما يعرفه عني وذكر اسمي الكامل وعناويني وكل محادثاتي القديمة وكل المعلومات عني في وسائل التواصل الاجتماعي، وسيوصلها إلى أسرتي. فأيقنت أنه “س” وليس أحدا غيره”.
وحين واجهته “ماريا”، وأظهرت له أنها تعرف وبكل ثقة أنه “س” اعترف لها، لتبدأ أساليبه الابتزازية معها من خلال التهديد بنشر كل ما في حوزته من صور ومحادثات وتفاصيل كانت في ما مضى تعتبرها حميمية، وأشياء مقدسة محروسة بالحب، الذي دفعها لتأتمن روحها بيده. ولم تتخيل يوما أنها ستكون سلاحا ربما يفقدها حياتها إلى الأبد.
كانت “ماريا” لحظتها وهي تعيش الصدمة، محاصرة بجملة من التهديدات، ويتملكها خوف شديد، وانهيار عصبي، مع سماع نبرات صوته القاسية. وهو يقول: “إذا لم تنفذي ما أريده منك، أو تحظري رقمي، سأرسل كل المحادثات التي بيننا إلى أسرتك وستندمين على ذلك”. كما حذرها “من أي تصرف قد تقوم به، أو طلب المساعدة من أحد”. لم تتوقع “ماريا”، هذه النهاية المأساوية لتجربة الحب التي عاشتها مع هذا الوحش. وأن ينتهي المطاف بتفاصيلها الحميمية بين يدي مبتز عديم الأخلاق، ويعذبها ندمها أكثر أنها لم تكن تدرك هذا الوجه البشع الذي أظهره “س”. وتناسيه لكل مواقفها ودعمها له. تعيش “ماريا” هذه اللحظة، وهي تتذكر وتستعيد التفاصيل، وكيف وأين أخطأت علها تهتدي لشيء ينقذها مما هي فيه. تستحضر أسرتها ومحيطها وتبني توقعاتها لمصيرها المحتوم بالموت في حال وصل الأمر إليهم. فتدوي في أعماقها صرخة مكتومة، مع يقين نازف بالخلاص. في مجتمع علاقاته العاطفية معقدة، وعادة ما تكون فيه الضحية هي الملامة ووحدها من يجب أن تتحمل المسؤولية.
تقول: “شعرت برعب وخوف شديدين لا يمكن تصورهما، ولم أعد قادرة على تحمل أي شيء، وأظلمت الدنيا أمامي. وأول ما فكرت به، بعد أن استجمعت قواي التواصل بصديقتي لأستشيرها بما يمكن أن أفعله”.
خلال هذه الفترة، عاد سيل الحوالات بالتدفق، إلى “س” تحت ضغوطاته وابتزازه وخوفها، غير أنها قللت من المبالغ المرسلة، فكانت كلما طلبها، أرسلت له مبلغا ما بين 20 ألف إلى 100 ألف، في كل مرة يطلبها، ولم تتجاوز هذا الحد. حتى وصل إلى رفع سقف طلباته وغير العملة، أيضا، ليطلب منها 800 دولار، ويريدها خلال يومين، مالم سينشر صورها.
في لحظة حاسمة، كانت “ماريا” تعيش تفاصيلها المرعبة، خصوصا أنها لم تعد قادرة على مواصلة تحويل الأموال، مع رفع المبتز سقف مطالبه، وانعكاس ذلك على حالتها النفسية المتدهورة في الأصل، دخلت صديقتها على الخط، وحاولت التواصل مع المبتز، لمعالجة المشكلة دون أن تصل إلى نتيجة، فمنعتها من إرسال أي مبالغ أخرى له، وطلبت منها تعطيل كل حساباتها المعروفة لديه في مواقع التواصل الاجتماعي، ففعلت ذلك، غير أنه استمر في محاولة التواصل معها عبر رقم الهاتف الدولي، وتهديدها. ما دفعها إلى إيقاف شريحتها وإغلاق هاتفها.. في محاولة لبدء حياة جديدة، بعيدا عن أجواء وتفاصيل السنوات الخمس الماضية.
مع محاولة “ماريا”، البدء من جديد، تظل تراقب حسابات “س” في مواقع التواصل الاجتماعي، مدفوعة بالقلق وحالتها النفسية المتعبة، التي لم تتجاوزها بعد. وتترقب بخوف ما تخشى أن تصادفه. بيد أنها عازمة على المضي قدما.
متابعات