التقاعد الذهني

بقلم/محمد القبيسي

مرة سمعت موظفاً يقول لزميله باقي 5 سنوات على تقاعدي، وبعدها أرتاح، ليست العبارة بحد ذاتها المشكلة، بل ما قد تحمله أحياناً من انتقال غير معلن من العمل إلى الانتظار، توقفت عند العبارة، ليس استنكاراً بقدر ما هو سؤال، ماذا سيفعل في هذه السنوات؟ هل سيظل يعمل أم سيعدها فقط؟
هذه حالة قد نراها أحياناً من مكان إلى آخر، موظفون حاضرون جسدياً، لكنهم غائبون ذهنياً، يأتون في الصباح، يؤدون الحد الأدنى من العمل، وينتظرون نهاية الدوام، الهدف لم يعد الإنجاز أو التطور، بل الوصول إلى التقاعد بأقل قدر من المتاعب، وكأن السنوات التي تسبقه عبء يجب التخلص منه، لا مرحلة يمكن استثمارها وبناؤها.
المشكلة ليست في التقاعد نفسه، بل في التقاعد الذهني المبكر، رأيتُ أشخاصاً في الأربعينات توقفوا عن التعلم، رفضوا التحديث، ورفعوا عبارات من نوع «إحنا معتادين على كذا»، «ليش نغير؟»، «خلونا على راحتنا»، هذه العبارات لا تُعَبِّر عن خبرة، بل عن خوف من الخروج من منطقة الأمان، وخسارة ما اعتاده الإنسان، حتى لو لم يعد يخدمه.
لكن الإنصاف يفرض قول الحقيقة كاملة، بعض التقاعد الذهني لا يصنعه الموظف وحده، بل تسهم فيه بيئات عمل تطفئ الشغف، أنظمة لا تكافئ المبادرة، قيادات تخشى التغيير، مسارات وظيفية مغلقة، وثقافة تعتبر السؤال المهني الهادف للتحسين مصدر قلق، في هذه البيئات، يتعلم الموظف سريعاً أن الاجتهاد مخاطرة، وأن الصمت أكثر أماناً من المحاولة.
حين يشعر الموظف بأن الجهد لا يُقَدَّر، وأن التميز لا يُرى، يبدأ العقل بالانسحاب بصمت، حتى لو استمر الجسد في الحضور، وهنا تتحول الوظيفة من مساحة عطاء إلى مساحة انتظار، وحين يطول هذا الانتظار، يفقد الإنسان إحساسه بقيمته، ويبدأ بالتعامل مع الوقت كخصم يجب قتله، لا كفرصة يمكن استثمارها.
وخطورة التقاعد الذهني لا تتوقف عند الفرد، فالموظف المنسحب ذهنياً يتحول إلى عبء على فريقه، يعطل المشاريع، ويقتل الحماس عند الآخرين، والأخطر أنه ينقل هذه العدوى للموظفين الجدد، فيتعلمون منه أن الهدف هو البقاء لا الإنجاز، والسلامة لا التميز.
سألني مرة أحد الأشخاص كيف نحافظ على نشاطنا الذهني بعد سنوات طويلة في نفس المجال؟الجواب يبدأ بالاعتراف بأن البقاء في المسار نفسه قد يطفئ الذهن، ثم بقرار واعٍ بإعادة التحدي والمعنى، والبحث عن تحدٍّ جديد، إما بالتطور وإما بتغيير المكان، وبالمقابل، على المؤسسات أن تدرك أن الإنسان لا يعيش بالراتب وحده، بل بالمعنى والتقدير.
خاتمة القول.. التقاعد الفعلي محطة طبيعية في الحياة المهنية، أما التقاعد الذهني فيبدأ عندما نختار الانتظار بدل الاستمرار في التعلم والعطاء.

متابعات

إقرأ ايضا

اخترنا لك
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى