مثلث الشيطان.. هل يبتلع غابات السودان؟

في السودان لم تعد الغابات ضحايا للفقر أو الحرب فحسب، بل أصبحت فريسة لـ”مثلث الشيطان” المكون من مافيا الفحم والأخشاب، والحرب، والفساد. في ظل اقتصاد ظلّي يمتد كأشباح الليل، تُلتهم الغابات وتتحول إلى خراب، تاركة صمتاً قاتلاً يصرخ بالكارثة القادمة.

غابة السنط، التي زُرعت قبل أكثر من 100 عام، لم تكن مجرد مساحة خضراء في قلب العاصمة، بل شكلت لعقود “رئة الخرطوم” وحاجزاً طبيعياً يحمي ضفاف النيل. كانت موطناً لعشرات الأنواع من الطيور المقيمة والمهاجرة، وموقعاً تدريبياً خرّج أجيالاً من المختصين في شؤون الغابات. إلا أن هذه القيمة البيئية والتاريخية لم تصمد أمام موجة قطع منظّم، لتصبح مثالاً حياً على الخراب الذي ينذر به “مثلث الشيطان”.

اقتصاد المناشير والشاحنات

بحسب إفادات ميدانية لـ”العربية.نت”، فإن ما يجري في غابة السنط لا يندرج ضمن حالات قطع فردية، بل يتم عبر عمليات منظّمة تشمل استخدام مناشير آلية ومعدات ثقيلة، وتجريف مساحات واسعة، ونقل الأخشاب بشاحنات إلى خارج الموقع لتحويلها إلى فحم وحطب. في يونيو (حزيران) الماضي، نفّذت الشرطة حملة أسفرت عن ضبط 41 متهّماً وعدداً من الشاحنات وأدوات القطع، مما يشير إلى وجود شبكات تعمل بصورة منتظمة داخل مناطق يُفترض أنها محمية بالقانون.

يرى مختصون أن هذا النمط من العمل لا يمكن أن يكون عشوائياً، بل يعكس وجود سوق سوداء منظّمة، وتمويل، وسلاسل نقل وتوزيع، مما يحوّل الغابات إلى مورد مستباح في اقتصاد الحرب.

الفحم: وقود الأزمة

يقول خبراء إن الحرب المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023 أحدثت تحولاً حاداً في نمط استهلاك الطاقة في السودان. منذ اندلاع القتال، تعذّر وصول الغاز إلى معظم المدن والقرى، وفي المناطق التي يتوافر فيها ارتفع سعره إلى مستويات تجاوزت قدرة غالبية الأسر التي فقدت مصادر دخلها.

أمام هذا الواقع، عاد ملايين السودانيين إلى استخدام الفحم النباتي في الطهي. استغل التجار الأزمة لرفع سعر جوال الفحم إلى مستويات غير مسبوقة، ما فتح الباب واسعاً أمام قطع الأشجار بوتيرة غير مسبوقة أيضاً، وحوّل الغابات إلى وقود مباشر لأزمة المعيشة واقتصاد الحرب.

تُظهر إفادات ميدانية حديثة لـ”العربية.نت” تفاوتاً واضحاً في أسعار الوقود بين الولايات والمدن. في ولاية نهر النيل، يتراوح سعر شوال الفحم الجيد بين 100 و120 ألف جنيه سوداني، بينما يُباع الفحم الأقل جودة بسعر 80-90 ألف جنيه. في مدينة عطبرة، بلغ سعر جوال الفحم بين 60 و70 ألف جنيه، بينما بلغت أسطوانة الغاز نحو 67 ألف جنيه.

في مدينة سنار، جنوب شرق السودان، بلغ سعر جوال الفحم نحو 55 ألف جنيه، وأسطوانة الغاز نحو 70 ألف جنيه، وكانت متوفرة في الأسواق. في ود مدني، عاصمة ولاية الجزيرة، بلغ سعر أسطوانة الغاز نحو 70 ألف جنيه. في أم درمان، ارتفع سعر أسطوانة الغاز خلال الشهر الأخير إلى نحو 75 ألف جنيه، بعد أن كان أقل من ذلك قبل شهر (الدولار يساوي تقريباً 3600 جنيه سوداني).

يعكس هذا التفاوت حجم الاضطراب في سوق الطاقة، ويؤكد أن ارتفاع الأسعار حتى في المناطق التي يتوفر فيها الغاز نسبياً، يدفع أعداداً متزايدة من الأسر للاعتماد على الفحم والحطب. هذا يزيد الضغط على الغابات ويغذّي وتيرة القطع الجائر. تحتاج الأسرة الواحدة، في هذه الظروف، إلى نحو 5 آلاف جنيه يومياً لتغطية حاجتها من الفحم، وهو عبء كبير في ظل الأزمة الاقتصادية المستمرة.

الدولة الغائبة ومعاناة موظفي الغابات

تفاقمت الأزمة مع تفكك منظومة الحماية المؤسسية للغابات، بعد نزوح موظفي الهيئة القومية للغابات وتوقف مرتباتهم، إضافة إلى الانتشار الواسع للسلاح. نتيجة لذلك، أصبح تطبيق القانون في كثير من المناطق شبه مستحيل حتى داخل المحميات الحضرية.

يعتبر مختصون أن كثيراً من المناطق الغابية بات عملياً بلا أي رقابة، مما سمح للشبكات المنظمة بالعمل ليلاً، وأحياناً نهاراً، من دون خوف يُذكر من المساءلة.

تشهد غابات القطينة جنوبي الخرطوم معاناة كبيرة لموظفي الهيئة، حيث يتعين على فرق الغابات سحب الأشجار المقطوعة ونقلها عبر عربات مخصصة إلى مدينة القطينة لإكمال الإجراءات القانونية، في مهمة مرهقة وسط ظروف أمنية صعبة.

يؤكد الدكتور عبدالعظيم ميرغني، المدير الأسبق للهيئة القومية للغابات بالسودان لـ”العربية.نت”، أن هذا الوضع يعكس حجم التحديات اليومية التي يواجهها الموظفون في محاولتهم حماية الغابات، وهو جزء من أزمة أوسع تشمل غياب الموارد والضغط الناتج عن الاستنزاف الكبير للغطاء الغابي.

“القطع منظّم… ويجري ليلاً”

يحمّل المختص طلعت دفع الله عبد الماجد، أحد أبرز خبراء الغابات في السودان، جهات متعددة مسؤولية ما يجري، وليس فقط تجار الفحم والأخشاب. يقول الماجد لـ”العربية.نت” إن “الاعتقاد بأن المواطنين وحدهم وراء القطع الجائر غير دقيق، فهناك جهات أخرى، بما فيها القوات النظامية والحركات المسلحة، متورطة في هذه الأنشطة”.

يضيف الماجد أن “القطع، خصوصاً في غابة السنط، تم بصورة منظّمة، وباستخدام مناشير وآليات ووسائل نقل لا تتوافر للمواطنين العاديين، خاصة أولئك الذين اضطروا لاستخدام الحطب بسبب انعدام الغاز”. يشير إلى أن “هذا يؤكد أننا لا نتحدث عن احتياجات معيشية محدودة، بل عن نشاط منظّم وممنهج”.

ويشير أيضاً إلى أن “معظم عمليات القطع تتم ليلاً، وهو ما يجعل من الصعب رصد الجناة أو ضبطهم متلبسين، كما يعقّد كثيراً عملية إثبات الجريمة ومحاسبة المتورطين فيها”.

ما حدث في غابة السنط ليس حالة معزولة، بل امتد إلى مناطق أخرى، حيث تعرضت غابة أبو جيلي في سنار وغابة بانكيو في مدني لتعديات مماثلة، في موجة استنزاف شاملة شملت المواطنين العاديين الباحثين عن الوقود، وتجار استغلوا الفرصة للكسب في غياب الحماية، نتيجة الظروف الأمنية الصعبة.

وأوضح الدكتور ميرغني لـ”العربية.نت” أن “حجم الدمار الحاصل في الغابات كبير للغاية، ولا يمكن تحديده بدقة في الوقت الراهن، إلا أن المسؤول عن الغابات في الجزيرة أشار إلى أن أكثر من 80% من الغابات هناك قد تدمرت”.

ويرى الماجد أن “التعديات لم تقتصر على الخرطوم، بل طالت معظم الغابات في السودان، في الجزيرة، والدمازين، والنيل الأبيض، وكردفان، ودارفور. كانت وتيرة الدمار أكبر في مناطق القتال، خصوصاً في كردفان ودارفور”. كشف أيضاً عن “حدوث عمليات نهب واسع لمخازن الصمغ العربي وتهريبه إلى تشاد ودول أخرى”.

أرقام تفسّر خطورة الانهيار

تُظهر بيانات رسمية أن الغابات توفّر نحو 69% من إجمالي الطاقة المستهلكة في السودان، وتغطي ما بين 30 و70% من احتياجات القطيع القومي من العلف، وتستوعب نحو 15% من العمالة الريفية. تنتج البلاد نحو 21 مليون متر مكعب من الأخشاب سنوياً، يُستهلك معظمها في صورة حطب وفحم.

يحذّر مختصون من أن استمرار هذا النمط من الاستنزاف يهدد بأزمة بيئية واقتصادية طويلة الأمد، قد تمتد آثارها إلى الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي. يؤكد طلعت أن ما يحدث ليس رزقاً حلالاً كما يدّعي البعض، بل اعتداء على ملك عام وحق أجيال كاملة في بيئة سليمة.

غابة السنط: إنذار مبكر

أفاد مراقبون أن ما جرى في غابة السنط ليس سوى إنذار مبكر لما يمكن أن يحدث لبقية الغابات السودانية، في ظل اقتصاد غير منظّم للفحم والأخشاب، وضعف الرقابة، واستمرار الحرب. يؤكد خبراء أن القضية لم تعد تتعلق بحماية موقع أخضر في العاصمة، بل بمعركة مفتوحة على ما تبقى من الغطاء الغابي في بلد يواجه واحداً من أخطر أزماته في تاريخه الحديث.

يطالب مختصون بأن تقود الهيئة القومية للغابات، متى ما سمحت الظروف، خطة طوارئ لإيقاف التعديات وتأمين ما تبقى من الغابات، والبدء في برامج إعادة تأهيل، بالتعاون مع الجامعات ومنظمات المجتمع المدني. يدعون أيضاً إلى وضع تجارة الفحم والأخشاب تحت رقابة صارمة، وربطها بإطار قانوني يمنع تحول الموارد الطبيعية إلى وقود جديد لاقتصاد الحرب.

متابعات

إقرأ ايضا

زر الذهاب إلى الأعلى