في لحظات الانفصال العاطفي، يبدو الألم تجربة إنسانية مشتركة، لكن طريقة التعامل معه تختلف بوضوح بين الأفراد، وأحيانًا بين النساء والرجال.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا ليس: من يتألم أكثر؟ بل: لماذا يتصرف البعض بعد الانفصال بطريقة تزيد الجرح عمقًا، بينما ينجح آخرون في الانسحاب بهدوء نسبي؟
تشير أبحاث علم نفس العلاقات إلى أن الإجابة لا تتعلق بالجنس بقدر ما ترتبط بجذور أعمق، تبدأ من الطفولة، وتحديدًا من العلاقة الأولى في حياة الإنسان: العلاقة مع الوالدين.
نظرية التعلّق: ما الذي نحمله معنا إلى علاقاتنا؟
تقوم نظرية التعلّق على فكرة بسيطة لكنها حاسمة: الطريقة التي تلقّينا بها الحب والرعاية في طفولتنا تشكّل نموذجنا الداخلي للعلاقات لاحقًا. هذا النموذج لا يؤثر فقط في اختيار الشريك، بل في طريقة الارتباط به، والخوف من فقدانه، وكيفية التعامل مع الانفصال.
الأشخاص الذين نشؤوا في بيئة مستقرة، حيث كان الوالدان داعمين ومتّسقين في مشاعرهم ووعودهم، غالبًا ما يطوّرون نمط تعلّق آمن. هؤلاء، عند انتهاء العلاقة، يشعرون بالألم بطبيعة الحال، لكنهم يكونون أقدر على تقبّل الواقع، واحترام الحدود، والمضي قدمًا دون سلوكيات اندفاعية.
في المقابل، من نشؤوا في بيئات عاطفية مضطربة أو متناقضة، قد يحملون أنماط تعلّق أقل استقرارًا، تظهر بقوة في لحظات الفقد.
لماذا تُظهر بعض النساء سلوكيات أكثر إيلامًا بعد الانفصال؟
تشير دراسات حديثة إلى أن النساء، أكثر من الرجال، قد يلجآن بعد الانفصال إلى محاولات تواصل غير مرغوب فيها، أو تعليقات سلبية تجاه الشريك السابق، أو سلوكيات تهدف إلى استعادة العلاقة أو تأكيد قيمتهن الذاتية من خلالها.
هذه السلوكيات لا تعني ضعفًا، بل غالبًا ما تعكس نمط تعلّق قَلِق أو متذبذب.
المرأة التي نشأت مع والدين متقلبين عاطفيًّا، أو حاضرين جسديًّا لكن غائبين وجدانيًّا، قد تتعلم منذ الصغر أن الحب غير مضمون، وأن القرب قد يُسحب في أي لحظة. عند الانفصال، يُعاد تنشيط هذا الخوف القديم، فيتحول الألم إلى حاجة ملحّة للتأكيد، أو للاحتجاج، أو حتى للوم الذات والطرف الآخر.
أما النساء اللواتي تربين في بيئة تشجّع الاستقلال العاطفي أو توفّر أمانًا واضحًا، فيكنّ أقل ميلًا للدخول في دوائر تواصل مؤذية بعد الانفصال، وأكثر قدرة على حماية أنفسهن نفسيًّا.
البعد الاجتماعي: حين تتداخل التربية مع التوقعات
لا يمكن فصل هذه الفروقات عن السياق الاجتماعي. ففي كثير من الثقافات، تُربّى النساء على لعب دور “المُصلِحة” و”الحافظة للعلاقة”؛ ما يجعلهن يشعرن بمسؤولية مضاعفة عند فشلها.
هذا العبء النفسي قد يدفع بعضهن للبحث عن “الكلمة الأخيرة” أو محاولة إعادة تفسير النهاية، حتى وإن كان ذلك على حساب راحتهن.
ماذا يعني هذا للمرأة بعد الانفصال؟
فهم جذور ردود الفعل لا يخفف الألم فورًا، لكنه يمنح منظورًا مختلفًا. الانفصال ليس اختبارًا للقيمة الذاتية، ولا دليلًا على الفشل الشخصي. أحيانًا، تكون الرغبة في العودة أو التواصل المستمر محاولة لا واعية للحصول على طمأنينة لم تتكوّن بشكل كافٍ في الماضي.
الوعي بنمط التعلّق يساعد على اتخاذ قرار أكثر وعيًا: هذا التواصل يخفف الألم فعلًا، أم يؤجله؟ هل أبحث عن إجابة، أو عن تهدئة خوف أعمق؟
في النهاية، الحزن بعد الانفصال تجربة طبيعية، لكن تحويله إلى مساحة للنمو يتطلب شجاعة التوقف، لا الملاحقة. فليس كل ما نشعر به يحتاج إلى فعل، وبعض النهايات تُشفى بالصمت أكثر مما تُشفى بالكلمات.
متابعات