تشير دراسة منشورة في موقع Psychology Today بقلم المعالج النفسي الأميركي روبرت تايبي (Robert Taibbi)، إلى أن معظم الخلافات بين الأزواج لا تكون في جوهرها حول الموضوع المطروح، سواء كان المال أو المسؤوليات المنزلية أو تربية الأبناء، بل حول القدرة على ضبط المشاعر أثناء النقاش.
ففي اللحظة التي ترتفع فيها حدة الانفعال، يخرج الحوار من مساره العقلاني، ويتحول الخلاف إلى مواجهة عاطفية مفتوحة يصعب السيطرة عليها.
عندما يتعطل العقل أثناء الجدال
بحسب تايبي، ما إن يشعر أحد الطرفين بالتهديد أو الغضب، حتى يتراجع دور التفكير المنطقي، ويتقدم رد الفعل العاطفي. هنا، لم يعد النقاش عن “من المخطئ” أو “ما الحل”، بل عن محاولة كل طرف إثبات نفسه والدفاع عن مشاعره.
في هذه المرحلة، يبدأ استحضار مواقف قديمة، وتُستخدم كلمات جارحة، ويصبح الاستماع شبه مستحيل. وكل جملة جديدة لا تهدئ الخلاف، بل تزيده اشتعالاً.
الهروب من الجدال قد يزيده سوءاً
من الأخطاء الشائعة أن يحاول أحد الطرفين الانسحاب فجأة من النقاش. ورغم أن الهدف قد يكون التهدئة، فإن الطرف الآخر قد يفسر هذا الانسحاب كرفض أو تجاهل، ما يدفعه إلى التصعيد، سواء بالملاحقة أو بكلمات أكثر حدة.
هذا النمط، كما يصفه تايبي، يتكرر في كثير من العلاقات، ويخلق حلقة مفرغة من الجدال دون حلول حقيقية.
الحل يبدأ من ضبط الذات لا من تغيير الطرف الآخر
يوضح تايبي أن إيقاف الخلاف لا يبدأ بمحاولة إقناع الشريك أو تغييره، بل بالقدرة على تحمّل المسؤولية العاطفية. أي أن يدرك الشخص لحظة تصاعد انفعاله، ويتوقف عن الاستمرار في النقاش قبل أن يخرج عن السيطرة.
الخطوة الأولى هي الاعتراف الداخلي: “أنا الآن منزعج”. ثم تحويل التركيز من الموضوع إلى تهدئة النفس. خفض نبرة الصوت، التوقف عن المقاطعة، وترك المجال للطرف الآخر للتعبير دون رد فوري.
متى يكون التوقف عن النقاش ضرورياً؟
إذا كان الغضب قد بلغ ذروته، ينصح تايبي بأخذ استراحة واضحة ومحددة، بصيغة لا تحمل اتهاماً مثل: “أحتاج لبعض الوقت لأهدأ، وسنعود للحديث لاحقاً”. من المهم تحديد وقت للعودة إلى النقاش، حتى لا يشعر الطرف الآخر بالتجاهل أو التلاعب.
وقد يتطلب الأمر الابتعاد جسدياً لفترة، سواء بالذهاب إلى غرفة أخرى أو الخروج من المكان، إلى أن تهدأ المشاعر تماماً.
الحوار الحقيقي لا يبدأ إلا بعد الهدوء
الحل لا يكون في “الصلح السريع”، بل في العودة للنقاش عندما يكون الطرفان في حالة نفسية مستقرة. عندها فقط يمكن مناقشة المشكلة الأصلية، والبحث عن حل عملي، بدلاً من تكرار الخلاف نفسه بصيغ مختلفة.
ويشير تايبي إلى أن معظم الناس ينجحون في ضبط انفعالاتهم في العمل أو الأماكن الرسمية، ما يعني أن القدرة موجودة، لكنها تختبر بشكل أكبر داخل العلاقات القريبة بسبب التاريخ المشترك والحساسية العاطفية.
الخلاف خيار… ويمكن كسره
الجدال المتكرر ليس قدراً محتوماً. هو نمط يمكن تغييره عندما يقرر أحد الطرفين على الأقل كسر السلسلة، والبدء بضبط ردود فعله، مهما كانت تصرفات الطرف الآخر مستفزة.
التحكم في المشاعر لا يعني التنازل أو الصمت، بل اختيار الوقت والطريقة المناسبة للتعبير، بما يحمي العلاقة من التآكل المستمر.
متابعات