متابعات خاصة / وكالة دفّاق نيوز / لم تعد المخاطر الناجمة عن هجمات الحوثيين مقتصرة على اليمن ودول الشرق الأوسط، بل امتدت تداعياتها إلى أمن الملاحة الدولية وأسواق الطاقة العالمية، وسط تحذيرات من انعكاسات اقتصادية قد تطال الدول الأوروبية، وتزيد الضغوط على أسعار الوقود والسلع وتكاليف النقل.
وحذّرت صحيفة «تلغراف» البريطانية، في تحليل تناول التهديدات الحوثية، من أن استمرار الهجمات على المصالح والمنشآت الحيوية في المنطقة قد يضع الدول الغربية أمام تحديات أمنية واقتصادية متزايدة، خصوصًا مع ارتباط أمن الطاقة الأوروبي باستقرار طرق التجارة الدولية.
وانتقد التحليل ما وصفه بتردد الحكومات الغربية في تقديم دعم عسكري فعّال للسعودية، معتبرًا أن تداعيات هذا الموقف قد تتجاوز حدود المنطقة، في ظل تنامي القدرات العسكرية للحوثيين والمخاوف من اتساع نطاق المواجهات.
من أسلحة محدودة إلى صواريخ قادرة على استهداف منشآت استراتيجية
استعرض التحليل البريطاني التحولات التي شهدتها القدرات العسكرية للحوثيين خلال السنوات الماضية، مشيرًا إلى انتقال الجماعة من الاعتماد على أسلحة تقليدية محدودة إلى امتلاك منظومات صاروخية أكثر تطورًا.
ولفت إلى الهجمات التي استهدفت مواقع داخل السعودية، بما فيها منشآت مرتبطة بقطاع الطاقة، باعتبارها مؤشرًا على اتساع نطاق التهديدات التي تواجه البنية التحتية الحيوية.
كما تناول اعتراض السلطات السعودية صواريخ أُطلقت باتجاه أراضي المملكة، في سياق المواجهة العسكرية والأمنية مع الجماعة.
وربط التحليل بين تطور هذه القدرات والدعم العسكري والتقني الذي تتهم السعودية ودول غربية إيران بتقديمه للحوثيين.
واستند إلى شظايا صواريخ قالت السلطات السعودية إنها عثرت عليها عقب هجمات سابقة، وتحمل علامات تشير إلى منشأ إيراني، في حين تبقى تفاصيل المسؤولية عن كل هجوم مرتبطة بالأدلة والتحقيقات الخاصة به.
البحر الأحمر ومضيق هرمز.. شريانان حيويان تحت الضغط
تتركز المخاوف الدولية حول احتمال تعرض الممرات البحرية الرئيسية لاضطرابات متزامنة، ولا سيما مضيق هرمز والبحر الأحمر.
ويُعد مضيق هرمز من أهم طرق نقل النفط والغاز في العالم، إذ تمر عبره في الظروف الطبيعية كميات كبيرة من صادرات الطاقة القادمة من دول الخليج.
أما مضيق باب المندب، فيمثل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، ويربط المحيط الهندي بالممر البحري المؤدي إلى قناة السويس والبحر المتوسط، ما يجعله طريقًا أساسيًا للتجارة بين آسيا وأوروبا.
وحذّر التحليل من أن استمرار التهديدات في البحر الأحمر، بالتزامن مع أي اضطراب واسع في مضيق هرمز، قد يضاعف المخاطر التي تواجه حركة التجارة العالمية.
ولا تقتصر هذه التداعيات على احتمال توقف بعض الشحنات، بل تمتد إلى ارتفاع تكاليف التأمين البحري والوقود، وإطالة الرحلات عندما تضطر شركات الشحن إلى تغيير مسارات سفنها.
خط النفط السعودي «شرق–غرب» وأهمية البدائل
تزداد أهمية الممرات البحرية في ظل اعتماد الدول المنتجة للنفط على طرق تصدير متعددة لضمان وصول إمداداتها إلى الأسواق العالمية.
ويُعد خط الأنابيب السعودي «شرق–غرب» أحد أبرز هذه المسارات، إذ ينقل النفط الخام من شرق المملكة إلى مرافق التصدير على ساحل البحر الأحمر، بما يوفر بديلًا عن المرور عبر مضيق هرمز.
غير أن استمرار التهديدات في البحر الأحمر وباب المندب قد يعقّد حركة بعض الشحنات، خصوصًا تلك المتجهة جنوبًا نحو الأسواق الآسيوية.
وحتى في حال استمرار عمليات التصدير، فإن اضطرار الناقلات إلى استخدام مسارات أطول قد يؤدي إلى زيادة تكاليف الشحن والتأمين، وهو ما ينعكس على تكلفة وصول النفط إلى المستوردين.
وتوضح هذه المعطيات أن تأثير الاضطرابات البحرية لا يشترط توقف الإمدادات بالكامل، إذ يمكن أن تظهر آثاره الاقتصادية من خلال ارتفاع تكاليف النقل وتأخر التسليم.
أوروبا أمام مخاطر ارتفاع أسعار الطاقة
تكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة إلى الدول الأوروبية، التي ترتبط اقتصاداتها بأسواق الطاقة العالمية، وتعتمد قطاعات صناعية وخدمية واسعة فيها على استقرار أسعار الوقود والكهرباء.
وحذّر التحليل البريطاني من أن استمرار الهجمات والتهديدات البحرية قد يضيف أعباء اقتصادية جديدة على أوروبا، خصوصًا مع اقتراب فصل الشتاء وزيادة الاهتمام بتأمين احتياجات الطاقة.
وقد تؤدي الاضطرابات الطويلة في طرق نقل النفط إلى دفع المصافي الأوروبية للبحث عن موردين بديلين، أو تحمل تكاليف إضافية للحصول على أنواع الخام المناسبة لعملياتها.
كما يمكن أن تنعكس زيادة تكاليف نقل المنتجات النفطية على أسعار الديزل، الذي تعتمد عليه قطاعات النقل والزراعة والصناعة.
وفي حال ارتفاع أسعار الوقود لفترات طويلة، قد تنتقل الأعباء إلى المستهلكين عبر زيادة تكاليف نقل البضائع وتشغيل المصانع والخدمات.
لكن ارتفاع أسعار الطاقة لا يعني بالضرورة حدوث نقص في الكهرباء أو انقطاعها، إذ يعتمد ذلك على حجم الاضطرابات ومدتها وقدرة الدول على استخدام المخزونات والمصادر البديلة.
اضطرابات الملاحة قد تصل إلى أسعار الغذاء
لا تنحصر التداعيات المحتملة في أسواق النفط والغاز، إذ قد تؤثر اضطرابات الشحن أيضًا في تجارة الأسمدة والمواد الأولية المستخدمة في الإنتاج الزراعي.
وتُعد تكاليف الطاقة والنقل من العناصر المؤثرة في إنتاج الأسمدة وتوزيعها، ولذلك فإن ارتفاعها قد يزيد الأعباء على المزارعين في عدد من الأسواق.
كما يمكن أن تؤدي زيادة تكاليف الشحن البحري والبري إلى رفع تكلفة نقل المنتجات الزراعية والسلع الغذائية من مناطق الإنتاج إلى الأسواق المستهلكة.
وقد تظهر بعض هذه التأثيرات تدريجيًا، بحسب مواسم الزراعة وحجم المخزونات وتوافر الموردين البديلين.
ومع ذلك، فإن هذه المخاطر لا تعني حتمية وقوع أزمة غذائية، بل تشير إلى احتمال تعرض سلاسل الإمداد لضغوط إضافية إذا استمرت الاضطرابات لفترة طويلة.
تحركات عسكرية قرب البحر الأحمر
وفي سياق التطورات المرتبطة بالمواجهة في اليمن، تناولت تغطيات أخرى لصحيفة «تلغراف» تحركات عسكرية لقوات حكومية مدعومة من السعودية باتجاه مواقع استراتيجية قرب ساحل البحر الأحمر.
كما تطرقت تغطيات الصحيفة إلى هجمات صاروخية حوثية استهدفت مطارات سعودية، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية في مناطق يمنية مختلفة.
وتكتسب المناطق الساحلية أهمية استراتيجية بسبب قربها من طرق الملاحة الدولية ومضيق باب المندب، الذي يشكل أحد المداخل الرئيسية لحركة السفن المتجهة إلى قناة السويس.
وتعكس هذه التطورات ارتباط العمليات البرية والجوية بالجهود الرامية إلى تأمين السواحل والممرات البحرية.
انتقادات للغرب وتحذيرات من اتساع التهديد
وجّه التحليل البريطاني انتقادات إلى الحكومات الغربية بسبب ما اعتبره عدم تقديم مساندة عسكرية كافية للسعودية في مواجهة التهديدات الحوثية.
ورأى أن الدول الأوروبية ليست بعيدة عن تداعيات هذه الهجمات، حتى عندما تقع خارج أراضيها، نظرًا إلى اعتماد اقتصاداتها على استقرار التجارة وإمدادات الطاقة.
واعتبر أن استمرار التهديدات دون استجابة رادعة قد يشجع على توسيع نطاق العمليات العسكرية، ويزيد المخاطر التي تواجه المنشآت الحيوية والممرات البحرية.
ويعكس هذا الموقف تقييمًا طرحه التحليل البريطاني، وليس موقفًا موحدًا بالضرورة لجميع الحكومات الأوروبية.
هل تتحول التهديدات الحوثية إلى أزمة اقتصادية أوروبية؟
تتوقف التداعيات المحتملة للهجمات والاضطرابات البحرية على مجموعة من العوامل، أبرزها مدة استمرارها، وحجم تأثيرها على حركة السفن، وقدرة الدول والشركات على إيجاد مسارات ومصادر بديلة.
ففي حين قد تؤدي الاضطرابات المحدودة إلى زيادة تكاليف الشحن والتأمين، فإن استمرارها واتساع نطاقها قد يفرض ضغوطًا أكبر على أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
وتزداد حساسية هذه المخاطر عندما تتزامن مع ارتفاع الطلب الموسمي على الطاقة أو اضطرابات أخرى في سلاسل الإمداد.
وتكشف التحذيرات البريطانية والتطورات الاقتصادية المرتبطة بها عن حقيقة أن أمن البحر الأحمر ومضيق هرمز لم يعد شأنًا إقليميًا فحسب، بل أصبح مرتبطًا بصورة مباشرة باستقرار الأسواق العالمية ومصالح الدول المستوردة للطاقة.
وبينما تتواصل المخاوف من اتساع نطاق الهجمات، يبقى التحدي الأكبر أمام الدول المعنية هو حماية الملاحة الدولية وضمان استمرار تدفق النفط والسلع، ومنع انتقال التوترات العسكرية إلى أزمة اقتصادية أوسع قد يدفع المستهلكون ثمنها.