متابعات خاصة / وكالة دفّاق نيوز / تواجه كندا اختبارًا سياسيًا حساسًا مع اقتراب موعد استفتاء في مقاطعة ألبرتا الغنية بالنفط، قد يفتح الباب أمام إجراءات قانونية للمطالبة بانفصالها عن البلاد، في تطور أعاد الجدل حول وحدة الدولة الكندية ومستقبل واحدة من أهم مناطق إنتاج الطاقة فيها.
وفي محاولة لاحتواء الدعوات الانفصالية، حذّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني من الدخول في مسار طويل ومحفوف بالغموض، داعيًا سكان ألبرتا إلى الحفاظ على وحدة البلاد في وقت تواجه فيه كندا تحديات اقتصادية وتجارية وأمنية متزايدة.
ومن المقرر أن يتوجه الناخبون في المقاطعة إلى صناديق الاقتراع يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، للتصويت على سؤال يتعلق ببقاء ألبرتا ضمن الاتحاد الكندي أو بدء الإجراءات القانونية اللازمة لتنظيم استفتاء ملزم بشأن الانفصال مستقبلًا.
كارني يحذّر: الانقسام يفتح الباب لسنوات من عدم اليقين
وجّه كارني رسالة إلى سكان ألبرتا، أكد فيها أن مستقبل المقاطعة يرتبط بمستقبل كندا، محذرًا من أن اختيار مسار الانفصال قد يقود إلى سنوات من الانقسامات والمفاوضات القانونية والسياسية.
وشدد رئيس الوزراء على أن البلاد بحاجة إلى التماسك لمواجهة التحديات الخارجية.
واعتبر أن الحفاظ على وحدة البلاد يمثل عنصرًا أساسيًا لتنفيذ المشروعات الاقتصادية الكبرى، بما فيها تطوير البنية التحتية وتوسيع شبكات الطاقة والنقل.
وأشار إلى أن سكان ألبرتا أسهموا عبر أجيال في بناء كندا، مؤكدًا أهمية استمرار دور المقاطعة في مستقبل الدولة.
وفي تصريحات أدلى بها خلال تجمع مؤيد للوحدة في مدينة كالغاري، حذّر كارني من التعامل مع التصويت باعتباره مجرد وسيلة للاحتجاج على الحكومة الفيدرالية، معتبرًا أن نتائجه قد تفتح مرحلة طويلة من الخلافات وعدم الاستقرار.
ماذا سيقرر سكان ألبرتا في 19 أكتوبر؟
لا يتضمن الاستفتاء المرتقب قرارًا مباشرًا باستقلال ألبرتا، وإنما يطرح على الناخبين الاختيار بين استمرار المقاطعة ضمن كندا أو تكليف حكومتها ببدء المسار القانوني المطلوب لتنظيم استفتاء ملزم بشأن الانفصال.
ويُعد هذا الفارق جوهريًا، لأن التصويت لصالح بدء الإجراءات لا يعني خروج المقاطعة تلقائيًا من الاتحاد الكندي.
ومن المقرر أن يشمل الاقتراع عشرة أسئلة تتعلق بقضايا مختلفة، بينها الهجرة والخدمات العامة ومتطلبات إثبات هوية الناخبين، على أن يكون السؤال المتعلق بمستقبل ألبرتا داخل كندا هو السؤال الأخير.
ووفق الترتيبات المعلنة، تُغلق مراكز الاقتراع مساء الاثنين، على أن تبدأ عمليات فرز الأصوات يدويًا، مع إعطاء الأولوية لنتائج السؤال المتعلق بالانفصال.
ومن المتوقع إعلان النتائج الأولية غير الرسمية خلال 48 ساعة من انتهاء التصويت.
لماذا تتصاعد الدعوات إلى انفصال ألبرتا؟
تُعد ألبرتا من أبرز مراكز صناعة النفط والغاز في كندا، وتحتضن موارد طاقة ضخمة تجعلها عنصرًا أساسيًا في الاقتصاد الوطني.
ويقول أنصار الانفصال إن المقاطعة لا تحصل على ما يتناسب مع مساهمتها الاقتصادية، ويتهمون الحكومة الفيدرالية في أوتاوا بفرض سياسات وقيود تؤثر في قدرتها على تطوير قطاع الطاقة والاستفادة من مواردها.
كما يرى بعض مؤيدي الاستقلال أن ألبرتا تتحمل أعباء مالية كبيرة ضمن النظام الفيدرالي، في حين تُتخذ قرارات اقتصادية وتنظيمية مهمة خارج المقاطعة.
وتعود جذور هذا التوتر إلى خلافات ممتدة بشأن صلاحيات الحكومات المحلية، والسياسات البيئية، وتنظيم مشروعات النفط والغاز، والعلاقة بين المقاطعات والحكومة المركزية.
لكن هذه المطالب لا تحظى بتأييد غالبية السكان وفق استطلاعات الرأي المتاحة، التي تشير إلى رغبة نحو 70% من سكان ألبرتا في البقاء ضمن كندا، مقابل تأييد يقارب الربع لفكرة الاستقلال.
رئيسة حكومة ألبرتا تكشف موقفها
رغم موافقتها على تنظيم الاستفتاء، أعلنت رئيسة حكومة ألبرتا دانييل سميث أنها تؤيد استمرار المقاطعة ضمن الاتحاد الكندي.
وأكدت أنها صوّتت بالفعل لصالح البقاء في كندا خلال الاقتراع المبكر، موضحة أن طرح القضية على الناخبين جاء استجابة للجدل المتصاعد بشأن مستقبل المقاطعة.
وكانت سميث قد أعلنت في مايو الماضي إضافة سؤال الانفصال إلى الاستفتاء المقرر في أكتوبر، بعد حملة شعبية نظمها مؤيدون للاستقلال وجمعت مئات الآلاف من التوقيعات.
وتعرضت إحدى المبادرات الانفصالية لعقبة قضائية بعدما أثارت جماعات من السكان الأصليين اعتراضات تتعلق بحقوقهم الدستورية والاتفاقيات المبرمة مع الدولة الكندية.
وأعلنت حكومة ألبرتا الطعن في القرار القضائي، بينما اختارت المضي قدمًا في إجراء تصويت استشاري لا يترتب عليه انفصال مباشر.
هل تستطيع ألبرتا الانفصال عن كندا؟
تواجه أي محاولة لانفصال ألبرتا عقبات دستورية وقانونية معقدة.
فوفق المبادئ التي أرستها المحكمة العليا الكندية عام 1998، لا تملك أي مقاطعة الحق في الانفصال من جانب واحد دون الدخول في عملية تفاوضية تستند إلى الدستور.
كما ينظم قانون الوضوح الصادر عام 2000 الشروط المتعلقة ببدء مفاوضات الانفصال، بما في ذلك ضرورة وجود سؤال واضح وتأييد شعبي واضح.
وإذا صوّت سكان ألبرتا لصالح بدء المسار القانوني، فإن ذلك قد يمهد لإجراءات جديدة واستفتاء لاحق، لكنه لن يؤدي إلى استقلال المقاطعة بصورة فورية.
وستكون هناك أيضًا قضايا شائكة تتعلق بتقسيم الأصول والالتزامات، والحقوق الدستورية، والحدود، والموارد الطبيعية، والعلاقات التجارية، فضلًا عن حقوق السكان الأصليين واتفاقياتهم التاريخية.
النفط في قلب الصراع السياسي
يشكل قطاع الطاقة محورًا رئيسيًا في الخلاف بين دعاة الاستقلال والحكومة الفيدرالية.
وتتمتع ألبرتا باحتياطيات نفطية ضخمة، وتؤدي دورًا مهمًا في صادرات الطاقة الكندية، خصوصًا إلى الولايات المتحدة.
وفي محاولة لتخفيف التوتر وتعزيز التعاون الاقتصادي، يدعم كارني مشروعات لتطوير خطوط أنابيب النفط باتجاه الساحل الغربي، بهدف فتح أسواق جديدة وتقليل الاعتماد على السوق الأمريكية.
ومن بين هذه المشروعات خط أنابيب مقترح باتجاه المحيط الهادئ، يُنظر إليه باعتباره فرصة لزيادة الصادرات الكندية إلى الأسواق الآسيوية.
ويقول كارني إن تنفيذ مشروعات اقتصادية بهذا الحجم يتطلب تعاون الحكومات والمقاطعات، معتبرًا أن الانقسام السياسي قد يعقّد الاستثمار والتخطيط طويل الأمد.
في المقابل، يرى بعض قادة الحركة الانفصالية أن التعهدات الفيدرالية لا تكفي لمعالجة الخلافات المتراكمة بشأن إدارة الموارد وصلاحيات المقاطعة.
تجربة كيبيك تعود إلى الواجهة
ليست المطالب الانفصالية جديدة على التاريخ الكندي، فقد شهدت مقاطعة كيبيك استفتاءين بشأن الاستقلال في عامي 1980 و1995.
ورفض الناخبون الانفصال في المرتين، لكن استفتاء عام 1995 انتهى بفارق ضئيل للغاية لصالح البقاء ضمن كندا.
وتُستحضر تجربة كيبيك اليوم مع اقتراب تصويت ألبرتا، نظرًا إلى ما تثيره قضايا الانفصال من تعقيدات دستورية وسياسية واقتصادية.
غير أن استفتاء ألبرتا يختلف في طبيعته، إذ لا يطلب من الناخبين إعلان الاستقلال مباشرة، بل تحديد ما إذا كان ينبغي بدء الإجراءات القانونية اللازمة لإجراء تصويت ملزم في المستقبل.
أيام حاسمة لمستقبل المقاطعة
مع اقتراب موعد التصويت، تتجه الأنظار إلى ألبرتا لمعرفة ما إذا كان سكانها سيختارون الإبقاء على الوضع القائم أو فتح الباب أمام مرحلة جديدة من النقاش الدستوري بشأن الانفصال.
ورغم أن استطلاعات الرأي تشير إلى تقدم مؤيدي الوحدة الكندية، فإن نتيجة الاستفتاء ستحدد طبيعة الخطوات السياسية المقبلة، ومدى استمرار الحركة الانفصالية في الضغط على الحكومة المحلية والفيدرالية.
وبين ثروات النفط والخلافات الاقتصادية والتحديات الدستورية، تقف ألبرتا أمام قرار يتجاوز حدودها الجغرافية، إذ قد تكون له انعكاسات على مستقبل الاتحاد الكندي وعلاقاته الاقتصادية والسياسية.
ويبقى المؤكد أن أي تصويت لصالح بدء إجراءات الانفصال لن يعني ولادة دولة جديدة فورًا، بل بداية مسار قانوني وسياسي طويل ومعقد.