26 سبتمبر.. كيف فتحت صراعات الجمهوريين أبواب صنعاء للحوثيين؟ لا تتركوا الجمهورية تموت في ذاكرة الأبناء بعدما كادت تضيع في صراعات أبنائها

بقلم / رئيس تحرير وكالة دفّاق نيوز / لم تكن ثورة 26 سبتمبر 1962 مجرد تغيير في شكل السلطة؛ بل كانت لحظة تاريخية أنهت النظام الإمامي الملكي في شمال اليمن وأعلنت قيام الجمهورية، حاملةً مشروعًا للتحرر من الاستبداد والعزلة والتخلف، وبناء الدولة، ونشر التعليم، وترسيخ المواطنة والمؤسسات.
الاحتفال بسبتمبر وحده لا يكفي
الجمهورية التي لا نعلّم أبناءنا لماذا قامت، قد يأتي يوم لا يعرفون فيه لماذا يجب عليهم الحفاظ عليها والدفاع عن مبادئها.
حدّثوا أبناءكم عن سبتمبر، وخصوصًا أنتم يا أبناء اليمن في المهجر. فالطفل اليمني الذي يولد في أي بقعة من بقاع العالم، يحتاج إلى أن يعرف تاريخ وطن آبائه وأجداده، وأن يدرك لماذا دفع اليمنيون ثمنًا باهظًا من أجل قيام الجمهورية.
علّموهم أن الجمهورية ليست علمًا يُرفع، ولا نشيدًا يُردّد، ولا احتفالًا يستمر ليلة واحدة؛ بل هي دولة ومواطنة ومؤسسات وقانون، وأن الحفاظ عليها يتطلب وعيًا بتاريخها، ومعرفةً بالأخطاء التي أضعفتها وكادت تطيح بها ولعل أقسى تلك الدروس ما حدث لليمن بعد عام 2011.
فالحوثيون، الذين كان مركز قوتهم الأساسي في صعدة، وجدوا في اضطرابات عام 2011 والانقسام الحاد بين القوى اليمنية فرصة تاريخية للخروج بصورة أوسع إلى المشهد السياسي الوطني. وشاركوا في الاحتجاجات المناهضة للرئيس السابق علي عبدالله صالح، والتقوا في تلك المرحلة مع قوى المعارضة، ومنها التجمع اليمني للإصلاح، عند هدف إسقاط نظام صالح، رغم اختلاف مشاريعهم السياسية.
وهنا يحق توجيه سؤال سياسي قاسٍ إلى حزب الإصلاح؟
هل أدرك الحزب يومها خطورة الجماعة المسلحة التي كانت تتمدد داخل المشهد السياسي، أم أن الرغبة في إسقاط الخصم غلبت التفكير فيما سيحدث للدولة في اليوم التالي؟
فالحوثيون لم يبقوا قوة محصورة في صعدة، بل توسع حضورهم السياسي والعسكري تدريجيًا، قبل أن تتغير التحالفات وتنقلب الحسابات رأسًا على عقب.
وبعد أن كان الحوثيون والإصلاح ضمن المعسكر المناهض لصالح في أحداث 2011، أصبح الإصلاح، بعد سنوات قليلة، واحدًا من أبرز خصوم الحوثيين.
** ثم جاء الخطأ الآخر، وهذه المرة من المعسكر المقابل
فقد دخل علي عبدالله صالح وشبكات وقوى موالية له في تحالف مع الحوثيين، وهم الجماعة التي خاض نظامه ضدها ست حروب.
وكان من أبرز ما جمع الطرفين وجود خصوم مشتركين، وفي مقدمتهم حزب الإصلاح وعلي محسن الأحمر وآل الأحمر.
وخلال تقدم الحوثيين من عمران باتجاه صنعاء، استفادت الجماعة من الانقسامات داخل الجيش والدولة ومن شبكات وقوى مرتبطة بصالح، قبل أن تسقط العاصمة في أيدي الحوثيين في سبتمبر 2014.
وهنا يحق توجيه السؤال القاسي نفسه إلى المؤتمر الشعبي العام؟
هل اعتقد صالح وحلفاؤه أنهم يستطيعون استخدام الحوثيين لإضعاف الإصلاح وتصفية حساباتهم مع خصومهم، ثم الإمساك مجددًا بزمام السلطة؟
مهما كانت الحسابات والنوايا، فإن النتيجة التاريخية جاءت مختلفة تمامًا الحوثيون استفادوا من صراع الجميع!
تقاطعوا مع قوى المعارضة ضد صالح في 2011، ثم تحالفوا لاحقًا مع صالح ضد خصوم مشتركين، وفي مقدمتهم الإصلاح، حتى أصبحوا الطرف الأقوى عسكريًا في صنعاء.
وهنا تكمن واحدة من أكثر مفارقات التاريخ اليمني الحديث قسوة:
كل طرف اعتقد أنه يستطيع الاستفادة من الحوثيين ضد خصمه، لكن الحوثيين استفادوا من الجميع.
الإصلاح أراد إسقاط صالح.
وصالح أراد الانتقام من خصومه وإضعاف الإصلاح.
أما الحوثيون، فكانوا يوسّعون نفوذهم، ويبنون قوتهم، ويتقدمون من صعدة إلى عمران، ثم إلى قلب صنعاء.
وبينما كان المؤتمر والإصلاح منشغلين بحسابات مَن يهزم الآخر، كانت الدولة نفسها هي التي تُهزم.
وهذا لا يعفي الحوثيين من مسؤوليتهم المباشرة؛ فهم من اختاروا التوسع المسلح، والسيطرة على مؤسسات الدولة، وفرض سلطة الأمر الواقع بقوة السلاح.
لكنه، في الوقت نفسه، لا يعفي القوى الجمهورية من مراجعة أخطائها.
فالمؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح، باعتبارهما من أكبر القوى السياسية في تلك المرحلة، يتحملان جانبًا مهمًا من المسؤولية السياسية والتاريخية عن الصراعات والانقسامات التي أضعفت الدولة ووفرت بيئة استفاد منها الحوثيون في طريقهم إلى صنعاء.
لقد تحولت الخصومة بين القوى السياسية إلى صراع استنزف الدولة وأضعف مؤسساتها، بينما كان المواطن اليمني هو من يدفع الثمن.
ثم جاءت سنوات الحرب والانقسام، ليدخل اليمن مرحلة أشد قسوة من التدهور الاقتصادي والخدمي والإنساني، وانهيار مؤسسات، وتراجع قيمة العملة في ، وانقطاع أو ضعف الرواتب والخدمات، واتساع رقعة الفقر والنزوح.
وبالطبع، لا يمكن تحميل المؤتمر والإصلاح وحدهما مسؤولية كل ما أصاب اليمن بعد ذلك؛ فالحوثيون والأطراف اليمنية الأخرى، والحرب والتدخلات الخارجيه، والانقسام المؤسسي، والعوامل الاقتصادية، جميعها أسهمت بدرجات مختلفة في الكارثة التي عاشها اليمنيون.
لكن ذلك لا يلغي السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحًا أمام التاريخ:
ماذا لو وضعت القوى الجمهورية حماية الدولة فوق رغبتها في الانتقام من بعضها بعضًا؟
وهنا يكمن الدرس الذي يجب أن نحفظه، وأن نورثه لأبنائنا:
من يستعن بخصم الجمهورية لتصفية حسابه مع شريكه في الجمهورية، قد يستيقظ ذات يوم فلا يجد خصمه… ولا الجمهورية.
قولوا لأبنائكم إن الدول لا تضيع دائمًا بضربة واحدة.
قد يبدأ الأمر بخلاف سياسي…
ثم يتحول الخلاف إلى ثأر…
ثم يصبح إسقاط الخصم أهم من حماية الدولة…
ثم تُفتح الأبواب أمام السلاح…
وحين يستيقظ الجميع،
يكون الوطن قد سقط بين أقدام المتصارعين.
🇾🇪 لهذا، لا تجعلوا 26 سبتمبر مجرد ذكرى.
احكوا لأبنائكم كيف قامت الجمهورية، واحكوا لهم أيضًا كيف يمكن لصراعات الجمهوريين أن تهددها.
قولوا لهم إن الأحزاب تتغير، والزعماء يرحلون، والتحالفات تتبدل، لكن اليمن هو الباقي.
علّموهم ألا يكرروا أخطاء جيلٍ جعل خلافاته السياسية أكبر من دولته.
فالمؤتمر لم يقضِ على الإصلاح، والإصلاح لم يقضِ على المؤتمر؛ أما الحوثيون فاستفادوا من صراع الطرفين ومن انقسام الدولة، بينما كان الخاسر الأكبر هو اليمن ومؤسساته ومواطنوه.
🇾🇪 26 سبتمبر ليست مجرد ذكرى من الماضي… إنها درس للمستقبل
لا تجعلوا الحزب أكبر من الوطن.
لا تجعلوا الثأر أقوى من الدولة.
لا تسمحوا للخلاف السياسي بأن يصبح بوابةً للسلاح.
ولا تسلّموا للأجيال القادمة جمهوريةً في كتب التاريخ بعدما ورثتموها وطنًا.
يا أبناء اليمن في الداخل والمهجر…
علّموا أبناءكم سبتمبر.
احكوا لهم لماذا قامت الثورة.
حدّثوهم عن تضحيات من صنعوا الجمهورية.
ازرعوا فيهم معنى الدولة والمواطنة والقانون.
وقولوا لهم:
هذه الجمهورية لم تأتِ مجانًا… لقد دفع أجدادكم ثمن ولادتها، فلا تسمحوا لصراعات الأحزاب أو أطماع الجماعات أو أخطاء السياسيين بأن تدفنها.
🇾🇪 احفظوا سبتمبر في ذاكرة أبنائكم…
وازرعوا الجمهورية في وعيهم…
فالأرض التي تحميها البنادق قد تسقط يومًا، أما الجمهورية التي يحميها وعي شعبٍ يعرف تاريخها وقيمتها، فتبقى حيّة في الأجيال.
26 سبتمبر… ثورةٌ صنعت جمهورية، وذاكرةٌ يجب ألا تموت، وأمانةٌ يحملها كل جيل يمني إلى الجيل الذي يليه. 🇾🇪







