متابعات خاصة / وكالة دفّاق نيوز / لم تكن أقسى الضربات التي تلقاها أسطورة الملاكمة الأمريكية مايك تايسون داخل حلبة القتال، بل جاءت خارجها، عندما تبددت ثروة قُدرت بنحو 300 مليون دولار، وتحولت حياة أحد أشهر الرياضيين في العالم من القصور والسيارات الفارهة إلى الديون والإفلاس.
فبعد سنوات من تحقيق أرباح ضخمة من النزالات والعقود التجارية، وجد الملاكم الملقب بـ«مايك الحديدي» نفسه عام 2003 أمام أزمة مالية خانقة، مع ديون بلغت نحو 23 مليون دولار، قبل أن يبدأ رحلة طويلة لإعادة بناء حياته وثروته من خلال السينما والأعمال التجارية والعودة إلى الملاكمة.
واليوم، تُقدّر ثروته بنحو 30 مليون دولار، في واحدة من أكثر قصص الصعود والانهيار والعودة إثارة في عالم الرياضة.
من شوارع نيويورك الفقيرة إلى الملايين
بدأت قصة تايسون في حي براونسفيل بمدينة نيويورك، حيث نشأ في ظروف اقتصادية صعبة، قبل أن تتحول موهبته الاستثنائية في الملاكمة إلى بوابة للشهرة والثروة.
وفي عام 1985، دخل عالم الاحتراف، وسرعان ما فرض نفسه منافسًا شرسًا بفضل قوته وسرعته وقدرته على حسم النزالات بالضربات القاضية.
وبحلول عام 1986، دخل التاريخ عندما أصبح أصغر ملاكم يفوز ببطولة العالم للوزن الثقيل، وكان عمره 20 عامًا فقط.
وتدفقت الأموال إلى حساباته مع اتساع شهرته، ليصبح من بين الرياضيين الأعلى دخلًا، لكن الانتقال السريع من الفقر إلى الثراء لم يصاحبه، بحسب تقارير تناولت مسيرته، انضباط مالي قادر على حماية تلك المكاسب.
وفي عام 1990، تعرض لهزيمة مدوية أمام الملاكم باستر دوغلاس، قبل أن يواجه أزمات شخصية وقانونية أبعدته عن الحلبة لسنوات.
وعندما عاد إلى المنافسات في مارس 1995، كانت الملايين تنتظره مجددًا. وتشير تقديرات منشورة إلى أنه حصل على نحو 25 مليون دولار من نزاله أمام بيتر ماكنيلي، الذي انتهى بعد 89 ثانية فقط.
سيارات ونمور ومجوهرات.. ملايين تتبخر خارج الحلبة
بينما كانت النزالات تمنح تايسون مكافآت مالية ضخمة، كان نمط حياته الفاخر يستنزف ثروته بوتيرة متسارعة.
فقد أنفق ملايين الدولارات على السيارات الفاخرة والعقارات والمجوهرات والحيوانات النادرة، إلى جانب مصروفات شخصية مرتفعة وأموال ذهبت إلى المقربين منه.
وبحسب الأرقام التي أوردها موقع «Celebrity Net Worth»، أنفق تايسون نحو 4.5 مليون دولار على السيارات والدراجات النارية خلال إحدى مراحل حياته، بينها 19 مركبة اشتراها لأصدقائه.
كما أنفق قرابة 400 ألف دولار على الحمام الذي كان يربيه والنمور السيبيرية وحيوانات أخرى، إضافة إلى نحو 300 ألف دولار للعناية بالحدائق والمساحات الخضراء.
ولم تتوقف المصروفات عند هذا الحد، إذ قُدّر إنفاقه الشخصي الشهري بنحو 240 ألف دولار، إلى جانب نحو 100 ألف دولار شهريًا على المجوهرات والملابس.
ومن أغرب مظاهر البذخ المنسوبة إليه شراء حوض استحمام ذهبي بلغت قيمته مليوني دولار، أهداه إلى زوجته السابقة الممثلة روبن جيفنز.
أكثر من 100 سيارة وقصر تحول إلى ملكية مغني راب
امتدت مظاهر الثراء إلى مجموعة سيارات قيل إنها تجاوزت 100 مركبة، بينها سيارات رياضية نادرة وباهظة الثمن.
وبحسب روايات تناولت تلك المرحلة، اعتاد تايسون إعارة سياراته لبعض أصدقائه، ثم ينسى أحيانًا أماكن وجودها، ما كان يدفع مساعديه إلى البحث عنها.
وفي واقعة أخرى تعكس حجم الفوضى المالية التي عاشها، اكتشف مبلغًا كبيرًا من المال داخل سلة غسيل بعد أن ظل منسيًا لفترة طويلة.
أما في عالم العقارات، فقد اشترى عام 1996 قصرًا ضخمًا في فارمنغتون بولاية كونيتيكت مقابل نحو 2.8 مليون دولار.
وامتد القصر على مساحة بناء تقارب 51 ألف قدم مربعة، ضمن أرض تبلغ نحو 17 فدانًا، وضم مرافق ترفيهية ورياضية واسعة، بينها ملعب لكرة السلة وصالة ألعاب ومرافق لاستضافة الفعاليات.
لكن القصر لم يبقَ في حوزته، إذ انتقلت ملكيته لاحقًا إلى مغني الراب الأمريكي «50 سنت»، الذي اشتراه مقابل نحو 4.1 مليون دولار.
كيف انتهت ثروة 300 مليون دولار إلى الإفلاس؟
لم تكن مشتريات تايسون الباهظة السبب الوحيد لانهياره المالي.
فقد تزامن الإنفاق المفرط مع التزامات ضريبية ونفقات قانونية وخلافات مالية مع بعض المسؤولين عن إدارة مسيرته الرياضية.
وكان من أبرز هذه الخلافات نزاعه مع المروج الشهير دون كينغ، الذي اتهمه تايسون بالاستيلاء على مبالغ كبيرة من عائدات نزالاته.
وتشير تقديرات منشورة إلى أن نسبًا مرتفعة من أرباحه كانت تذهب إلى المروجين والمديرين، ما قلص المبالغ التي يحتفظ بها رغم ضخامة إيراداته.
وفي عام 2003، وصل الانهيار إلى ذروته عندما تقدم تايسون بطلب الحماية من الإفلاس، بعدما تراكمت عليه ديون قُدرت بنحو 23 مليون دولار.
وهكذا، انتقل أحد أشهر أبطال الملاكمة وأكثرهم تحقيقًا للأموال من امتلاك ثروة هائلة إلى مواجهة الدائنين والالتزامات المالية الثقيلة.
السينما والمسرح.. بداية العودة من جديد
لم تنتهِ قصة تايسون عند الإفلاس، إذ اتجه خلال السنوات التالية إلى استثمار شهرته خارج الحلبة.
وشارك في أعمال سينمائية وتلفزيونية، من أبرزها الفيلم الكوميدي الشهير «The Hangover»، الذي أعاده إلى دائرة الاهتمام الجماهيري بصورة مختلفة عن شخصيته الرياضية المعروفة.
كما قدم عرضًا مسرحيًا بعنوان «Mike Tyson: Undisputed Truth»، استعرض خلاله محطات من حياته الشخصية والرياضية، بما فيها نجاحاته وأزماته.
وساهمت هذه الأنشطة، إلى جانب الظهور الإعلامي والفعاليات التجارية واتفاقيات استخدام اسمه وصورته، في توفير مصادر دخل جديدة.
وبدلًا من الاعتماد الكامل على مكافآت النزالات، بدأ تايسون تنويع أنشطته والاستفادة من قيمته التجارية باعتباره أحد أشهر الأسماء في تاريخ الملاكمة.
مشروع تجاري بإيرادات بلغت 200 مليون دولار
شكّلت الأعمال التجارية أحد أبرز مسارات تعافي تايسون المالي.
فقد شارك في تأسيس العلامة التجارية «Tyson 2.0»، المتخصصة في منتجات القنب حيث يسمح القانون، والتي أصبحت جزءًا من مجموعة «Carma HoldCo».
وبحسب الأرقام المنشورة، بلغت إيرادات المجموعة نحو 200 مليون دولار خلال عام 2024، وهو رقم يعكس حجم نشاطها التجاري، وليس صافي ثروة تايسون الشخصية أو المبلغ الذي حصل عليه منها.
وفي أبريل 2025، تولى تايسون منصب الرئيس التنفيذي للمجموعة، في خطوة عززت حضوره في عالم الأعمال.
وأصبحت هذه الأنشطة جزءًا من استراتيجية أوسع لاستثمار شهرته وتحويلها إلى مشروعات تجارية مستمرة.
20 مليون دولار من نزال واحد
رغم ابتعاده عن المنافسات الاحترافية لسنوات، ظل اسم تايسون قادرًا على جذب الجماهير والعقود المالية الضخمة.
وفي نوفمبر 2024، عاد إلى الحلبة لمواجهة الملاكم وصانع المحتوى الأمريكي جيك بول، في نزال أثار اهتمامًا عالميًا واسعًا ونقلته منصة «نتفليكس».
ورغم خسارته المواجهة، أشارت تقديرات إعلامية إلى حصوله على نحو 20 مليون دولار مقابل المشاركة.
وأثبتت تلك المواجهة أن القيمة التجارية لاسم تايسون لم تختفِ مع تقدمه في العمر، وأن شهرته ما زالت قادرة على تحقيق عائدات كبيرة.
عقارات فاخرة وثروة تُقدّر بـ30 مليون دولار
مع تحسن وضعه المالي، عاد تايسون إلى الاستثمار في العقارات.
فقد اشترى مع زوجته لاكيها «كيكي» سبايسر منزلًا فاخرًا مطلًا على المياه بالقرب من ديلراي بيتش في ولاية فلوريدا، مقابل نحو 13 مليون دولار.
كما ارتبط اسمهما بشراء عقار مجاور بنحو 1.7 مليون دولار، يوفر إمكانية الوصول إلى مدرج طيران خاص.
وتُقدّر منصة «Celebrity Net Worth» ثروته في عام 2026 بنحو 30 مليون دولار، مع الإشارة إلى أن هذا الرقم تقديري وليس إفصاحًا ماليًا رسميًا صادرًا عن تايسون.
ورغم أن المبلغ لا يقترب من ذروة ثروته السابقة التي بلغت نحو 300 مليون دولار، فإنه يمثل تحولًا كبيرًا مقارنة بمرحلة الإفلاس والديون.
من الإفلاس إلى الملايين.. قصة تحمل درسًا قاسيًا
تكشف تجربة مايك تايسون أن تحقيق ثروة ضخمة لا يضمن الاحتفاظ بها، خصوصًا عندما تترافق الشهرة المفاجئة مع الإنفاق غير المنضبط والخلافات المالية وسوء إدارة الموارد.
فالرجل الذي اعتاد حسم نزالاته خلال دقائق احتاج إلى سنوات طويلة للخروج من أزمته المالية.
وبينما لم يستعد ثروته السابقة بالكامل، استطاع بناء مصادر دخل جديدة عبر السينما والترفيه والاستثمارات والأنشطة التجارية.
وتبقى قصته مثالًا بارزًا على أن النجاح الرياضي قد يصنع الملايين، لكن الحفاظ عليها يتطلب مهارات مختلفة تمامًا عن تلك التي تصنع الأبطال داخل الحلبة.