الذكاء الاصطناعي التفاعلي.. لتخفيف أعراض القلق والاكتئاب

أظهرت دراسة حديثة، نُشرت في دورية JAMA Network Open، أن التفاعل مع برنامج ذكاء اصطناعي تفاعلي يُمكن أن يُساعد في تقليل أعراض القلق والاكتئاب، مع تعزيز الصحة النفسية العامة.

وتشير النتائج، التي نشرها موقع PsyPost، إلى أن هذه المنصات الرقمية قادرة على بناء علاقة علاجية فعالة مع المستخدمين، مما يُتيح وسيلة سهلة لدعم الصحة النفسية على نطاق واسع.

الصحة النفسية

تُؤثر تحديات الصحة النفسية على ملايين الأشخاص حول العالم، ولكن نسبة ضئيلة منهم فقط تتلقى الرعاية المتخصصة التي تحتاجها. ويعود هذا النقص في العلاج عادة إلى مشكلات هيكلية، مثل نقص المعالجين المؤهلين وارتفاع التكاليف والوصمة الاجتماعية التي لا تزال تُحيط بطلب المساعدة النفسية. ولمعالجة هذه المشكلة، بدأ العلماء بالبحث عن تقنيات رقمية للوصول إلى شرائح أوسع من السكان دون إرهاق العيادات القائمة.

لاحظت أنات شوشاني، الأستاذة في كلية باروخ إيفشر لعلم النفس، هذا الخلل بشكل مباشر. وأوضحت شوشاني قائلةً إن هناك “مفارقةً هيكليةً [متكررة] في مجال الرعاية الصحية النفسية وهي أن العلاج يمكن أن يكون فعالاً للغاية، لكن نادراً ما تتطور الاضطرابات النفسية وفقاً لهيكلية أنظمة العلاج. يعاني الأشخاص من نوبات هلع في منتصف الليل وشعور بالوحدة بعد الانفصال وقلق قبل الامتحانات وتقلبات مزاجية حادة أثناء التنقل وانتكاسات بعد انتهاء العلاج. بينما يقضي آخرون شهوراً على قوائم الانتظار أو لا يسعون للحصول على الرعاية على الإطلاق.”

تواجه تطبيقات الصحة النفسية المبكرة صعوبةً غالباً في الحفاظ على تفاعل المستخدمين مع مرور الوقت. كان الأشخاص يميلون إلى التخلي عن هذه البرامج بسرعة، ربما لأنها تبدو سلبيةً أو آليةً للغاية بحيث لا توفر شعوراً بالتواصل الحقيقي. صُممت أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة لإجراء محادثات طبيعية وسلسة مع المستخدمين. تستخدم هذه البرامج الحديثة نماذج لغوية متقدمة لمحاكاة التعاطف والدعم الشخصي الموجود عادةً في العلاج البشري.

تعبيرية عن الذكاء الاصطناعي - آيستوك
تعبيرية عن الذكاء الاصطناعي – آيستوك

اختبار التطبيقات التفاعلية

أجرى الباحثون هذه الدراسة لمعرفة ما إذا كان بإمكان وكيل الذكاء الاصطناعي التفاعلي منافسة العلاج الجماعي التقليدي في تخفيف الاضطرابات النفسية. أرادوا تقييم مدى فعالية أداة رقمية في علاج أعراض نفسية محددة مقارنةً بالتفاعلات التي يقودها البشر. أراد الباحثون أيضاً معرفة ما إذا كان بإمكان الأفراد الشعور برابطة حقيقية مع منصة رقمية، وما إذا كانت هذه الرابطة ستؤدي إلى تحسين الصحة النفسية.

كشفت النتائج أن استخدام برنامج ذكاء اصطناعي أدى إلى انخفاض أكبر في القلق. كما ساهمت المنصة الرقمية في تخفيف أعراض الاكتئاب بفعالية أكبر.

ويرى الباحثون أن المنصة الرقمية حققت هذا الأداء المتميز في تخفيف القلق نظراً لتوافرها المستمر. وأوضحت شوشاني قائلةً: “يميل القلق إلى التفاقم في الوقت الفعلي، إذ يحدث قبل المواقف الاجتماعية، وأثناء التفكير العميق في وقت متأخر من الليل، وقبل المحادثات الصعبة، وفي اللحظات التي لا يتوفر فيها معالج نفسي. وربما يكون للدعم الفوري أهمية بالغة في مثل هذه الحالات”.

تحسن الصحة النفسية

أما فيما يتعلق بالصحة النفسية الإيجابية، فقد سجل المشاركون تحسناً أكبر في الصحة العامة والرضا عن الحياة. واستمر هذا التحسن خلال فترة المتابعة التي استمرت ثلاثة أشهر. وتشير الدراسة إلى أن البرنامج الرقمي لم يُسهم في تخفيف أعراض اضطراب ما بعد الصدمة.

 (Unsplash) صورة تعبيرية عن الذكاء الاصطناعي
(Unsplash) صورة تعبيرية عن الذكاء الاصطناعي

نتائج إيجابية بحدود

أشارت شوشاني إلى أن هذا النقص في التأثير يُسهم في تحديد حدود الرعاية الرقمية. وأوضحت قائلةً: “غالباً ما تكون الصدمات النفسية أكثر تعقيداً، وقد تتطلب تقييماً سريرياً أعمق، وتدخلات متخصصة، وعلاقات إنسانية فعّالة”.

كما كشفت الدراسة عن مستويات تفاعل عالية بشكلٍ مُفاجئ مع أداة رقمية. وقالت شوشاني: “في دراستنا، تفاعل المشاركون حوالي ثلاث مرات أسبوعياً، وظل 61% منهم نشطين بعد 12 أسبوعاً. يُشير هذا المستوى من الاستمرارية إلى أن الأشخاص كانوا يُجربون التكنولوجيا ويُدمجونها في روتينهم العاطفي”.

الثقة والتواصل

كما درس الباحثون مفهوم التحالف العلاجي، وهو مصطلح يُشير إلى الثقة والتواصل الذي يشعر به الشخص عادةً مع مُقدّم الرعاية البشرية. وقد قيّم المشاركون برنامج الذكاء الاصطناعي بأنه دافئ ومهني تماماً مثل المعالجين البشريين في الجلسات الجماعية.

التحرر من القيود

تشير البيانات إلى أنه عندما شعر المشاركون برابطة قوية مع البرنامج الرقمي، أرسلوا المزيد من الرسائل وتفاعلوا بشكلٍ أعمق. ووجد الباحثون أن الشعور بالدعم من البرنامج كان مرتبطاً ارتباطاً مباشراً بتحسن أكبر في أعراض صحتهم النفسية. قد يرتبط هذا النجاح بظاهرة تُعرف بتأثير التحرر من القيود عبر الإنترنت، حيث يشعر الناس براحة أكبر في مشاركة معلومات حساسة مع الحاسوب.

الخجل والخوف من النقد

وقالت شوشاني: “يُعيق الخجل والخوف من النقد والرغبة في الظهور بمظهر مقبول اجتماعياً أو القلق من إثقال كاهل الآخرين الإفصاح عن المشاعر. ويبدو أن الذكاء الاصطناعي يُزيل بعضاً من هذه الحواجز الشخصية”.

كما أشارت الدراسة إلى أن الأشخاص الذين استخدموا المنصة الرقمية أصبحوا أقل ميلاً للقول إنهم يعتزمون طلب العلاج النفسي التقليدي في المستقبل. يؤكد الباحثون أن هذه الأدوات الرقمية ليست مصممة للعمل بمفردها تماماً.

توسيع نطاق لحظات الدعم

واختتمت شوشاني قائلةً: “إذا استطاعت التكنولوجيا، بمسؤولية، خفض عتبة طلب المساعدة، وتوفير الدعم في وقت مبكر، ومساعدة الأشخاص على الشعور بوحدة أقل خلال اللحظات الصعبة، فسيكون لذلك أثر بالغ الأهمية. وربما لا يتحدد مستقبل الصحة النفسية باستبدال التواصل الإنساني، إنما يمكن أن يتحدد بتوسيع نطاق اللحظات التي يصبح فيها الدعم ممكناً.”

متابعات

إقرأ ايضا

زر الذهاب إلى الأعلى