اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD) من أكثر الاضطرابات النمائية العصبية شيوعاً بين الأطفال، ويمتد تأثيره في كثير من الحالات إلى مرحلة المراهقة والبلوغ. ورغم انتشار هذا الاضطراب الواسع، لا يزال يُساء فهمه في مجتمعاتنا، فيُوصف الطفل المصاب بالكسل أو قلة التربية، بينما الحقيقة أنه يعاني من حالة عصبية حقيقية تؤثر في قدرته على التركيز وضبط السلوك.
يتميز نقص الانتباه بثلاثة أعراض رئيسية: تشتت الانتباه، وفرط الحركة، والاندفاعية؛ فالمصاب يجد صعوبة كبيرة في التركيز على مهمة واحدة لفترة طويلة، ويتشتت بسهولة بأي مثير خارجي كصوت أو حركة، كما ينسى تعليماته وأغراضه بشكل متكرر، ويؤجل المهام المملة ولو كانت ضرورية. أما فرط الحركة، فيظهر في عدم القدرة على الجلوس بهدوء، وتحريك اليدين والقدمين باستمرار، والشعور بطاقة داخلية لا تنضب. أما الاندفاعية، فتتمثل في التحدث دون تفكير، ومقاطعة الآخرين، واتخاذ قرارات متسرعة.
تختلف أسباب نقص الانتباه عما يُشاع في الثقافة الشعبية؛ فهو ليس نتيجة سوء تربية أو إهمال من الأهل، بل اضطراب ذو جذور بيولوجية، فالدراسات تشير إلى أن الدماغ لدى المصابين يعمل بشكل مختلف في مناطق محددة مسؤولة عن الانتباه وضبط النفس، وتلعب الوراثة دوراً كبيراً، إذ يزيد احتمال الإصابة إذا كان في العائلة تاريخ مع الحالة. كما توجد عوامل أخرى كالولادة المبكرة، والتعرض لسموم أثناء الحمل، ونقص بعض العناصر الغذائية.
يحتاج التعامل مع نقص الانتباه إلى خطة متكاملة تشمل البيئة المحيطة والسلوك والعلاج الطبي عند الحاجة. على صعيد البيئة، يساعد تنظيم المكان وتقليل المشتتات كالضوضاء والأجهزة الإلكترونية على تحسين التركيز بشكل ملحوظ. كما يُنصح بتقسيم المهام الكبيرة إلى خطوات صغيرة يسهل إنجازها، واستخدام القوائم والجداول والمذكرات لتعويض ضعف الذاكرة العاملة.
من الأساليب السلوكية المفيدة أيضاً وضع روتين يومي ثابت للنوم والأكل والدراسة والعمل، فالروتين يمنح الدماغ المضطرب إطاراً ينظم به فوضاه الداخلية. ويُستحسن استخدام نظام المكافآت الفورية بدل المؤجلة؛ لأن دماغ المصاب يستجيب بشكل أفضل للتحفيز القريب. كما تُساعد تقنية «بومودورو» التي تقسم العمل إلى فترات قصيرة تليها استراحات، في الحفاظ على مستوى تركيز مقبول.
الرياضة من أهم أدوات العلاج غير الدوائي، إذ تزيد إفراز الدوبامين والنورأدرينالين في الدماغ، وهما الناقلان العصبيان اللذان يعانيان من نقص لدى المصابين. وتُعدّ الرياضات التي تتطلب تنسيقاً وانتباهاً كالفنون القتالية والسباحة من الأنسب. كما أثبت التأمل و«اليوغا» فاعليتهما في تدريب الدماغ على الانتباه المستدام.
في الحالات المتوسطة والشديدة، قد يلجأ الطبيب إلى وصف أدوية منبهة أو غير منبهة تُساعد على تنظيم النواقل العصبية، وتُحدث تحسناً ملحوظاً في القدرة على التركيز والتحكم بالسلوك. ولا ينبغي الخوف من هذه الأدوية حين يصفها متخصص، فهي آمنة عند الاستخدام السليم.
دور الأسرة والمدرسة لا يقل أهمية عن العلاج الطبي؛ فتفهم الأهل والمعلمين، وتشجيع الطفل بدل لومه، والتركيز على نقاط قوته بدل نقاط ضعفه، كلها عوامل تصنع فرقاً كبيراً في مستقبله.
كثير من المصابين بنقص الانتباه يملكون مواهب استثنائية في الإبداع والطاقة والعفوية، وإذا وُجّهت بالشكل الصحيح تحولت إلى قوة دافعة نحو النجاح.
بقلم / د. عمر عيسى حابوه استشاري وخبير إدارة المنشآت الصحية وأخصائي طب الأسرة والطب الرياضي
متابعات