عاد منفذ الوديعة البري بين اليمن والسعودية إلى واجهة الاهتمام، بعد تصاعد شكاوى المسافرين من ظروف الانتظار وطول الإجراءات وغياب أو محدودية الخدمات الأساسية، في وقت تحولت فيه معاناة العائلات والأطفال والنساء وكبار السن إلى مادة لحملة إعلامية واسعة قادها ناشطون وصحفيون للمطالبة بتحسين أوضاع المنفذ ووضع حد لمعاناة المسافرين.
وتكشف الشكاوى المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي فجوة بين أهمية منفذ الوديعة باعتباره المنفذ البري الرئيسي الذي يربط اليمن بالسعودية، وبين مستوى الخدمات التي يقول مسافرون وناشطون إنها لا تزال دون الحد المطلوب، خصوصاً في ظل فترات انتظار قد تمتد لأيام وتكدس أعداد كبيرة من الحافلات والمركبات قبل وبعد الوصول إلى المنفذ.
تتركز أبرز الانتقادات على غياب الخدمات التي يفترض أن تكون متاحة في منفذ يستقبل أعداداً كبيرة من المسافرين، وفي مقدمتها دورات المياه والاستراحات وأماكن المبيت والمطاعم والخدمات المخصصة للعائلات.
وتزداد وطأة المشكلة على النساء والأطفال وكبار السن، إذ تحدثت الشكاوى عن اضطرار بعض الأسر إلى قضاء ساعات طويلة، بل والمبيت في العراء، في ظل ظروف من الإرهاق والغبار والازدحام، بينما تنتظر الحافلات والمركبات دورها للعبور.
ولا تنتهي معاناة المسافر، وفق الشهادات التي أثارتها الحملة، بمجرد وصوله إلى الوديعة، إذ تستمر فترات الانتظار داخل المنفذ، ما يحول رحلة السفر إلى اختبار إضافي للعائلات التي تحمل أطفالاً أو كباراً في السن.
ومع اتساع دائرة الشكاوى، انتقل النقاش من المطالبة بتحسين الخدمات إلى التساؤل عن الإيرادات التي يتم تحصيلها في المنفذ، خصوصاً أن الوديعة يشهد حركة كبيرة للمسافرين والشاحنات والنشاط التجاري.
وتساءل ناشطون عن مدى انعكاس هذه الإيرادات على الواقع الخدمي، معتبرين أن دفع الرسوم يصبح أكثر إثارة للجدل عندما لا يرى المواطن أثراً واضحاً لها في صورة مرافق وخدمات أساسية تواكب حجم الحركة في المنفذ.
وقال ناشطون إن المشكلة لا تكمن في دفع رسوم قانونية وواضحة بحد ذاتها، وإنما في غياب الشفافية حول أوجه إنفاقها، وعدم رؤية المسافر لخدمات تتناسب مع ما يدفعه خلال رحلته.
كما طالب ناشطون الجهات المسؤولة بتوضيح الإيرادات التي يتم تحصيلها، والجهات التي تذهب إليها، وما إذا كانت هناك مخصصات للنظافة والتحسين والخدمات داخل المنفذ.
وشهدت منصات التواصل الاجتماعي موجة انتقادات واسعة، شارك فيها صحفيون وناشطون، ركزت على ما وصفوه بتجاهل معاناة المسافرين، ودعت إلى تحويل القضية من مجرد شكاوى متكررة إلى ملف خدمي يخضع للمساءلة والمعالجة.
ودعا النشطاء السلطات إلى بناء مرافق صحية واستراحات للمسافرين، متسائلاً عن كيفية استمرار معاناة النساء والأطفال داخل الحافلات لأيام في منفذ يفترض أن يقدم الحد الأدنى من الخدمات.
كما طرح ناشطون فكرة إشراك القطاع الخاص في إنشاء استراحات متكاملة تضم المطاعم ودورات المياه والمساجد والمتاجر وأماكن الانتظار، بما يوفر خدمات للمسافرين ويخلق في الوقت نفسه نشاطاً استثمارياً منظماً.
اتهامات بمبالغ غير رسمية.. ومطالب بالتحقيق
إلى جانب ملف الخدمات، تضمنت الحملة اتهامات من مسافرين وناشطين بوجود مبالغ غير رسمية يتم تحصيلها في المنفذ. وتحدثت منشورات عن مطالبة بعض المسافرين بدفع مبلغ يقدر بنحو 10 ريالات سعودية مقابل ختم الجواز، ناهيك عن إيرادات ضخمة يتم تحصيل من المرور والعبور للمسافرين والتجار والشاحنات وغيرها دون أن يكون هناك مشاريع خدمية بسيطة تحفظ للمواطنين كرامتهم.
وبحسب الشكاوى، فإن بعض المسافرين الذين يرفضون دفع تلك المبالغ يواجهون صعوبات في استكمال إجراءاتهم، فيما قال ناشطون إن هناك مصادر إيرادات أخرى، رسمية وغير رسمية، مرتبطة بالسوق والتفتيش والنقل والضرائب والنظافة والتحسين والقواطر. وتتطلب هذه الاتهامات، في حال وجودها، تحقيقاً رسمياً واضحاً يحدد طبيعة الرسوم، والجهات المخولة بتحصيلها، وما إذا كانت قانونية، وأين تورد الإيرادات الناتجة عنها.
أمام تصاعد الانتقادات، سارعت إدارة منفذ الوديعة إلى الرد ونفي ما وصفته بالأخبار والصور المتداولة بشأن تردي الخدمات.
وقال مدير عام منفذ الوديعة البري عامر الصيعري إن الصور المتداولة تعود إلى سنوات سابقة ولا تعكس الوضع الحالي، مؤكداً أن المنفذ يضم حالياً 84 دورة مياه وثلاث استراحات للعائلات، إلى جانب مصليات للرجال والنساء وطاقم نظافة مكون من 20 عاملاً يعملون بنظام المناوبات على مدار الساعة.
وأكد الصيعري أن الإدارة تتعامل مع الأعطال والملاحظات الحديثة، داعياً وسائل الإعلام ومستخدمي مواقع التواصل إلى التحقق من تاريخ ومصدر الصور والمعلومات قبل نشرها.
كما أشار إلى أن وزارة النقل والهيئة العامة لتنظيم شؤون النقل البري تتابعان مستوى الخدمات وتنظيم العمل، وأن لجاناً تنزل ميدانياً لتقييم الأداء، مع اعتماد تقارير وإحصائيات يومية لحركة المسافرين والبضائع.
لماذا استمرت المعاناة؟
رغم نفي إدارة المنفذ، جاءت تحركات رسمية لاحقة لتؤكد أن الملف الخدمي لا يزال يحتاج إلى معالجة، بعدما وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم أحمد الخنبشي بتوفير احتياجات خدمية عاجلة للمسافرين في منفذ الوديعة.
وشملت التوجيهات إنشاء استراحة ودورات مياه وتوفير خدمات ضرورية أخرى للمسافرين، مع التأكيد على أن المنفذ يمثل واجهة لمحافظة حضرموت، وينبغي أن يكون بالمستوى الذي يليق بأهميته وحجم الحركة التي يشهدها.
وتكتسب هذه التوجيهات أهمية خاصة لأنها جاءت عقب اتساع الحملة الإعلامية وعودة معاناة المسافرين إلى صدارة النقاش العام، ما يعني أن القضية لم تعد مجرد صور متداولة أو منشورات فردية، بل تحولت إلى ملف خدمي استدعى تدخلاً رسمياً.
ومع أهمية إنشاء المرافق الأساسية، فإن جوهر أزمة الوديعة، وفق ما تكشفه الشكاوى، يتجاوز مسألة دورات المياه والاستراحات إلى طول فترة الانتظار والاختناقات التشغيلية.
فالمسافر الذي يقضي أياماً في الطريق أو ينتظر لساعات طويلة عند نقاط العبور سيظل يعاني حتى مع وجود مرافق خدمية، ما لم تترافق المعالجة مع رفع الطاقة التشغيلية للمنفذ، وزيادة مسارات العمل، وتحسين التنسيق بين الجهات، ومعالجة أسباب التكدس.
وتشير التوجيهات الرسمية نفسها إلى الحاجة إلى الانتقال، بعد معالجة الاحتياجات العاجلة، نحو حلول أكثر شمولاً واستدامة، بما يجعل تحسين الخدمات جزءاً من خطة أوسع لإعادة تنظيم المنفذ وتقليص زمن الانتظار.
الوديعة.. واجهة اليمن أمام المسافر
وتضع أزمة منفذ الوديعة الحكومة والجهات المعنية أمام اختبار يتجاوز تقديم الخدمات اليومية، إذ يمثل المنفذ إحدى أبرز الواجهات التي يرى من خلالها المواطن اليمني والزائر مستوى أداء مؤسسات الدولة.
وبينما تؤكد الإدارة وجود مرافق وخدمات قائمة، فإن استمرار الشكاوى والحملة الشعبية، ثم صدور توجيهات رسمية بإنشاء استراحات ودورات مياه، يكشف فجوة بين ما تقوله الجهات الرسمية عن مستوى الخدمات وبين ما يطالب به المسافرون على الأرض.
وتبقى الخطوة الأهم بعد التوجيهات هي الانتقال من ردود النفي والتبرير إلى معالجة الأسباب الفعلية للمعاناة، وإعلان خطة واضحة لتحسين الخدمات وتقليص الانتظار، إلى جانب توضيح الإيرادات والرسوم وآليات تحصيلها وتوريدها.
فمنفذ يستقبل آلاف المسافرين والشاحنات لا يمكن أن تظل فيه أبسط احتياجات المسافر موضع حملة شعبية أو مادة للجدل الإعلامي؛ بل يفترض أن تكون الخدمات والنظافة والتنظيم وكرامة المسافر جزءاً أصيلاً من مسؤولية الجهات التي تدير هذا المعبر الحيوي.