لم تعد الحوادث العنيفة التي يُقدم عليها بعض المراهقين مجرد أخبار عابرة، بل أصبحت تفتح أسئلة أعمق حول ما يحدث داخل عالمهم النفسي والاجتماعي قبل الوصول إلى لحظة الانفجار.
فبين الأسرة والمدرسة والفضاء الرقمي، تتشكل ملامح معقدة قد تمر من دون ملاحظة، إلى أن تتحول إلى سلوك صادم يصعب تفسيره.
في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى فهم أعمق للعوامل التي قد تدفع مراهقًا إلى العنف، وكيف يمكن قراءة الإشارات المبكرة قبل فوات الأوان.
لماذا قد يقدم مراهق على القتل؟
في حوار خاص مع “فوشيا” سلطت الضوء اختصاصية تحليل السلوك ليال أبو سعد على أبعاد هذه الظاهرة، وقدمت نظرة عميقة لما يحدث في ظل ذلك.
كيف يمكن أن يصل مراهق إلى ارتكاب فعل عنيف بهذا الحجم؟
من منظور تحليل السلوك، المراهق لا يصل إلى فعل عنيف كبير فجأة، بل عبر مسار تدريجي. يتراكم لديه ضغط نفسي مثل الإحباط أو الرفض أو التنمر، ومع غياب مهارات التعبير والتنظيم الانفعالي يبدأ باستخدام سلوكيات عدوانية بسيطة.
إذا حققت له هذه السلوكيات فائدة (مثل الهروب من موقف أو جذب انتباه)، فإنها تتكرر وتكبر مع الوقت.
وعندما يحدث موقف قوي محفّز، قد يظهر السلوك العنيف بشكل يبدو “اندفاعي”، لكنه في الحقيقة نتيجة تراكم طويل مع لحظة تفجير.
هل يكون العنف نتيجة اندفاع لحظي أم تراكم نفسي طويل؟
العنف الشديد عند المراهق نادرًا ما يكون نتيجة لحظة واحدة فقط. هو غالبًا حصيلة تراكم طويل من الخبرات والتجارب التي لم تُعالَج بشكل مناسب، مثل الإحباط المتكرر أو صعوبة التعبير عن المشاعر أو التعرض للرفض أو التنمر.
هذا التراكم يخلق مستوى مرتفعًا من التوتر الداخلي. وعندما يحدث موقف لحظي قوي كاستفزاز مباشر أو شعور مفاجئ بالظلم قد يظهر السلوك العنيف كاستجابة فورية.
لكن هذه اللحظة ليست السبب الوحيد، بل تعمل كمحفّز أخير لما تم بناؤه عبر الوقت. لذلك نفهم السلوك على أنه تفاعل بين تاريخ تعلّمي سابق وموقف حالي.
ما أبرز العلامات المبكرة التي قد تنبّه لوجود خطر؟
العلامات المبكرة تظهر عادة على شكل تغيّرات واضحة في نمط سلوك المراهق، وليس مجرد سلوك واحد عابر.
قد يبدأ بزيادة العدوان اللفظي أو التهديد، أو يصبح أقل تعاطفًا مع الآخرين، أو ينسحب اجتماعيًا بشكل ملحوظ.
أحيانًا يظهر اهتمامًا غير معتاد بالعنف أو أفكار الانتقام، أو يعاني من صعوبة شديدة في تقبّل الرفض أو الفشل. المهم هنا هو ملاحظة التغير مقارنة بسلوكه السابق، وليس الحكم على السلوك بشكل منفصل.
في التحليل السلوكي، إذا كان هذا السلوك يحقق له نتيجة معينة مثل جذب الانتباه أو الهروب من موقف مزعج فإنه يصبح أكثر احتمالًا للاستمرار والتصاعد.
إلى أي مدى يؤثر العنف الرقمي أو المحتوى الخطير على سلوك المراهق؟
العنف الرقمي لا يكون عادة سببًا مباشرًا بمفرده، لكنه يلعب دورًا مهمًا في تشكيل السلوك، خاصة عند وجود عوامل أخرى.
من خلال التعرض المتكرر، قد يتعلم المراهق أن العنف وسيلة فعّالة لحل المشكلات، أو يبدأ في رؤية السلوك العدواني كشيء طبيعي.
كما أن التكرار قد يقلل من حساسيته تجاه معاناة الآخرين، مما يضعف التعاطف. هذا التأثير يكون أقوى عندما يكون المراهق أصلًا يعاني من عزلة أو صعوبات انفعالية أو غياب التوجيه. لذلك، المحتوى بحد ذاته ليس العامل الحاسم، لكنه قد يسرّع أو يعزز أنماطًا موجودة بالفعل.
ما دور الأسرة والمدرسة في اكتشاف التغيرات قبل تفاقمها؟
الأسرة والمدرسة هما خط الدفاع الأول في ملاحظة التغيرات السلوكية. الأسرة التي تحافظ على تواصل مفتوح وتوفر بيئة آمنة للحوار تكون أكثر قدرة على ملاحظة التحولات وفهم أسبابها.
ليس الهدف فقط مراقبة السلوك، بل تفسيره: ماذا يحاول المراهق أن يعبّر عنه أو يحققه؟ المدرسة بدورها تلاحظ التفاعل الاجتماعي اليومي، مثل العزلة أو التغير في العلاقات أو التعرض للتنمر.
عندما يكون هناك تواصل مستمر بين الأسرة والمدرسة، تقل احتمالية تجاهل الإشارات المبكرة، ويصبح التدخل أسرع وأكثر فعالية.
كيف يمكن الوقاية ومنع وصول المراهق إلى هذا المستوى من العنف؟
الوقاية تعتمد على بناء مهارات بديلة قبل أن يتطور السلوك الخطير.
يحتاج المراهق إلى تعلم طرق صحية للتعبير عن الغضب، وطلب ما يريد، والتعامل مع الإحباط. في الوقت نفسه، من المهم ألا يتم تعزيز السلوك العدواني بشكل غير مقصود، كأن يحصل على ما يريد بعد نوبة غضب.
البيئة التي تتميز بالوضوح والثبات في القواعد تساعد المراهق على الشعور بالأمان وتقليل التوتر. وعندما تظهر مؤشرات مبكرة، فإن التدخل السريع حتى لو كان بسيطًا يمكن أن يغيّر المسار بشكل كبير، لأن السلوك في مراحله الأولى يكون أكثر قابلية للتعديل.
في النهاية، لا يمكن اختزال سلوك المراهق العنيف في سبب واحد أو تفسير سريع، بل هو غالبًا نتيجة تداخل معقد بين عوامل نفسية، أسرية، واجتماعية تتراكم بصمت. فهم هذه الدوافع لا يهدف إلى تبرير السلوك، بل إلى منع تكراره من خلال الوعي المبكر، والانتباه للتغيرات الصغيرة التي قد تبدو غير مهمة في بدايتها. وبين دور الأسرة والمدرسة والمجتمع، يبقى التدخل الواعي في الوقت المناسب هو الخط الفاصل بين أزمة يمكن احتواؤها، وواقع يصعب إصلاحه لاحقًا.
متابعات