بحسب الأستاذ ديفيد هاوز، أستاذ علم النفس السريري في جامعة سيدني والمدير المشارك لـعيادة أبحاث سلوك الطفل، في مقال نشره موقع First Five Years المتخصص في تطور الطفل المبكر، فإن الصبر ليس صفة يولد بها الطفل، بل مهارة تتطور تدريجياً مع نضج الدماغ عبر مراحل الطفولة والمراهقة.
ما الصبر فعلاً في عقل طفلكِ؟
بحسب هاوز، حين نتحدث عن الصبر، نتحدث في الحقيقة عن منظومة من القدرات تشمل: ضبط السلوك، التحكم في الانتباه، وإدارة المشاعر. هي القدرة على الشعور بالرغبة في الاستجابة الفورية، وتأجيلها لتحقيق هدف أبعد أو مكافأة أكبر لاحقاً.
والبنية العصبية التي تدعم هذه القدرات تتطور في الدماغ على مدى سنوات طويلة، وهذا يعني أن الصبر يأتي مع العمر فعلاً، لكن البيئة الأسرية تُحدد السرعة التي يتطور بها.
الصبر لا يُعلَّم بل يُمارَس
هنا تكمن النقطة الجوهرية التي يُشدّد عليها هاوز: لا يتعلق الأمر بتعليم الطفل الصبر بشكل مباشر، بل بخلق فرص يُمارس فيها هذه المهارة، مع توفير الهيكل والدعم اللازمَين.
ويُفسّر ذلك بأن الطفل يعتمد في البداية على الوالدَين لتنظيم سلوكه وانتباهه ومشاعره من الخارج. وحين يحدث هذا في سياق علاقة دافئة وداعمة، تتحوّل هذه التنظيمات تدريجياً من خارجية إلى داخلية، ويصبح الطفل قادراً على ضبط نفسه بنفسه.
بمعنى بسيط: أنتِ لا تُعلّمين طفلكِ الصبر بإخباره “كن صبوراً”، بل بأن تكوني أنتِ مصدر الهيكل والأمان الذي يُساعده على تطوير هذه القدرة داخلياً.
دور الأم في بناء الصبر
بحسب هاوز، طريقة الوالدَين في تقديم الهيكل والتغذية الراجعة حول سلوك الطفل، إلى جانب علاقة أبوية دافئة واستجابية، هي من أكثر العوامل الموثّقة التي تُعزّز الوظائف التنفيذية التي تدعم تطور الصبر.
وهذا يعني عملياً: وضع حدود واضحة والالتزام بها، وتقديم توقعات واقعية تناسب عمر الطفل، وإعطاء تغذية راجعة هادئة ومتسقة حين يُخفق الطفل في الانتظار.
حين يصعب التعاون
هاوز يُنبّه إلى نقطة مهمة: الأطفال الذين يُعانون من تنظيم عاطفي وسلوكي صعب غالباً ما يكونون أيضاً أقل تعاوناً مع الوالدَين. وما لم يجد الوالدان استراتيجيات فعّالة لتحسين هذا التعاون، يظل تطور ضبط الذات عند الطفل محدوداً.
ويُوصي في مثل هذه الحالات بالبحث عن دعم متخصص مبكراً، إذ إن سنوات ما قبل المدرسة هي الأمثل للتدخل وتغيير المسار.
متى تكون المشكلة أكبر من المرحلة؟
يُحذّر هاوز من صعوبة تحديد ما هو طبيعي في كل عمر. لكن أفضل طريقة للتحقق هي ملاحظة الطفل في أنشطة جماعية تتطلب الدور والانتظار. إذا كان طفلكِ يُعاني باستمرار أكثر بكثير من أقرانه في الجنس والعمر ذاتَهما، فقد يستحق الأمر تقييماً متخصصاً.
الصبر ليس شخصية يولد بها طفلكِ أو يُحرم منها. هو مهارة تتشكّل ببطء في دماغه النامي، وأنتِ، من خلال علاقتكِ معه وطريقة تعاملكِ في لحظات الانتظار الصغيرة، تُسهمين كل يوم في بناء هذه القدرة خطوة بخطوة.
متابعات
زر الذهاب إلى الأعلى