متابعات خاصة / وكالة دفّاق نيوز / قد يلاحظ الأب أو الأم أن طفلهما يتحدث بحرية مع أحدهما عن مشكلاته ومخاوفه وتفاصيل يومه، بينما يتجنب مشاركة الأمور نفسها مع الطرف الآخر، وهو سلوك يثير تساؤلات لدى كثير من الأسر بشأن أسبابه، وما إذا كان يعكس تفاوتًا في المحبة أو الثقة بين الطفل ووالديه.
غير أن التفسيرات النفسية تشير إلى أن اختيار الطفل للشخص الذي يأتمنه على أسراره لا يرتبط بالضرورة بحبه لأحد والديه أكثر من الآخر، بل يتأثر بدرجة كبيرة بطريقة التعامل معه، وردود الفعل التي يتوقعها عندما يكشف عن خطأ ارتكبه أو موقف محرج تعرض له.
ويرى مختصون في التربية أن فهم هذه الظاهرة يتطلب النظر إلى طبيعة التواصل داخل الأسرة، ومدى شعور الطفل بالأمان عند التعبير عن مشاعره دون خوف من الانتقاد أو العقاب.
لماذا يختار الطفل أحد والديه للحديث عن أسراره؟
يتعلم الأطفال منذ سنواتهم الأولى كيفية التعامل مع والديهم من خلال التجارب اليومية المتكررة.
فعندما يخبر الطفل أحد والديه بمشكلة ويجد استماعًا هادئًا وتفهمًا لمشاعره، تتعزز لديه القناعة بأن الحديث مع هذا الطرف يمنحه شعورًا بالأمان والطمأنينة.
أما إذا واجه الغضب أو اللوم أو السخرية، فقد يبدأ تدريجيًا في تجنب الحديث عن بعض الأمور، حتى لو كان يحب والده أو والدته ويشعر بالارتباط بهما.
ومع تكرار هذه المواقف، تتشكل لدى الطفل توقعات مختلفة تجاه كل طرف، فيختار الشخص الذي يعتقد أنه سيتفهم موقفه ويساعده على التعامل معه.
الغضب والتوبيخ قد يدفعان الطفل إلى إخفاء الحقيقة
من أبرز العوامل التي تؤثر في استعداد الأطفال للمصارحة طريقة استجابة الوالدين للأخطاء والمواقف الصعبة.
فالطفل الذي يخشى التعرض لعقوبة قاسية أو توبيخ متكرر قد يفضل إخفاء ما حدث، بدلًا من طلب المساعدة أو الاعتراف بالخطأ.
ولا يقتصر الأمر على العقاب المباشر؛ فقد يؤدي الاستعجال في إصدار الأحكام أو تقديم النصائح قبل الاستماع إلى القصة كاملة إلى شعور الطفل بأن مشاعره غير مفهومة.
وفي المقابل، يساعد الإنصات الهادئ وطرح الأسئلة دون اتهام على تشجيعه على الحديث، حتى عندما يتعلق الأمر بموقف لا يرضى عنه والداه.
وهذا لا يعني التخلي عن التربية أو وضع الحدود، بل الفصل بين الاستماع إلى الطفل ومناقشة السلوك الذي يحتاج إلى تصحيح.
لماذا يتحدث بعض الأطفال مع الأم أكثر من الأب؟
تشير أبحاث تناولت التواصل الأسري، خصوصًا خلال مرحلة المراهقة، إلى أن الأبناء قد يميلون إلى مناقشة بعض القضايا الشخصية والعاطفية مع الأمهات.
لكن هذا الميل لا يمثل قاعدة ثابتة تنطبق على جميع الأسر، ولا يعني أن الأمهات أكثر قدرة بالضرورة على فهم الأبناء.
فقد يكون الأب هو الشخص الأقرب إلى الطفل عندما يتعلق الأمر بمشكلة دراسية أو موقف اجتماعي أو نشاط يمارسانه معًا.
كما أن الوقت الذي يقضيه كل طرف مع الطفل، وطبيعة الأنشطة المشتركة، وطريقة التعامل مع الأسئلة والمواقف المحرجة، كلها عوامل تؤثر في تحديد الشخص الذي يلجأ إليه.
ولهذا، فإن تفسير الظاهرة على أساس جنس الوالد وحده قد يكون مضللًا؛ فالعلاقة اليومية وطبيعة الاستجابة أهم من مجرد كون الشخص أبًا أو أمًا.
مع التقدم في العمر.. الخصوصية تصبح أكثر أهمية
تتغير طبيعة العلاقة بين الأطفال ووالديهم مع الانتقال إلى مرحلة المراهقة، إذ يبدأ الأبناء في تكوين مساحة شخصية خاصة بهم.
وقد يتوقف المراهق عن مشاركة بعض التفاصيل التي اعتاد الحديث عنها في طفولته، ليس بالضرورة بسبب تراجع الثقة، وإنما نتيجة تطور حاجته إلى الاستقلال واتخاذ قراراته الخاصة.
وفي هذه المرحلة، يصبح من المهم التمييز بين الخصوصية الطبيعية والإخفاء الناتج عن الخوف.
فالرغبة في الاحتفاظ ببعض الأمور الشخصية جزء من النمو، بينما قد يشير الامتناع المستمر عن طلب المساعدة عند التعرض لمشكلة خطيرة إلى وجود حاجز في التواصل يحتاج إلى معالجة.
خطأ شائع يرتكبه الآباء دون قصد
قد يشعر أحد الوالدين بالضيق عندما يكتشف أن ابنه يخبر الطرف الآخر بأسراره، فيسأله بلهجة عتاب: «لماذا تخبر والدتك بكل شيء ولا تخبرني؟»، أو العكس.
ورغم أن هذا السؤال قد يعبر عن رغبة في التقرب من الطفل، فإنه قد يجعله يشعر بالضغط أو الذنب، وكأنه مطالب بإثبات محبته من خلال كشف تفاصيل حياته.
ويحذر مختصون من تحويل المصارحة إلى منافسة بين الأب والأم، لأن ذلك قد يدفع الطفل إلى مزيد من التحفظ بدلًا من تشجيعه على الانفتاح.
والأفضل أن يعبر الوالد عن استعداده للاستماع والمساعدة، دون مطالبة الطفل بتقديم تفسيرات أو مقارنات بين الطرفين.
كيف تكسب ثقة طفلك وتشجعه على المصارحة؟
تبدأ العلاقة القائمة على الثقة من التفاصيل اليومية الصغيرة، وليس فقط عند وقوع مشكلة كبيرة.
فالاستماع إلى الطفل عندما يتحدث عن يومه، وإظهار الاهتمام بما يشعر به، وعدم التقليل من مخاوفه، كلها ممارسات تساعد على بناء علاقة أكثر انفتاحًا.
ومن المفيد أيضًا تجنب مقاطعته أثناء الحديث، وعدم التسرع في تقديم الحلول قبل فهم ما يريد قوله.
وعندما يعترف الطفل بخطأ، يمكن توضيح عواقب السلوك ومساعدته على تصحيحه دون إهانته أو جعله يشعر بأن المصارحة نفسها كانت خطأ.
كما أن احترام خصوصيته وعدم مشاركة أسراره مع الآخرين دون سبب ضروري يعزز ثقته في أن ما يقوله سيُعامل بمسؤولية.
وفي الحالات التي تتعلق بسلامته أو تعرضه للأذى، تبقى حمايته أولوية، حتى لو استدعى الأمر تدخل الوالدين أو طلب مساعدة مختص.
هل يجب أن يخبر الطفل والديه بكل شيء؟
لا يشترط أن يتقاسم الأبناء أسرارهم بالتساوي بين الأب والأم، ولا أن يكشفوا جميع تفاصيل حياتهم حتى تكون العلاقة الأسرية صحية.
فالأهم أن يعرف الطفل أن كليهما مستعد للاستماع إليه ومساندته عند الحاجة، وأنه يستطيع طلب المساعدة دون خوف من الإهانة أو الرفض.
ويؤكد هذا الفهم أن بناء الثقة لا يتحقق بإجبار الطفل على الكلام، وإنما من خلال توفير بيئة يشعر فيها بأن صوته مسموع ومشاعره محترمة.
وفي النهاية، قد يكون السؤال الأكثر أهمية للوالدين ليس «لماذا يخبر طفلي الطرف الآخر بأسراره؟»، بل «كيف أجعله يشعر بالأمان عندما يحتاج إلى الحديث معي؟».