«3 حكومات تفتح باب الانفصال عن بريطانيا.. هل تتفكك المملكة المتحدة وتبدأ اسكتلندا رسم خريطة سياسية جديدة؟»

خاص / وكالة دفّاق نيوز / تواجه المملكة المتحدة تساؤلات متجددة بشأن مستقبل وحدتها، مع صعود القوى السياسية المؤيدة للاستقلال في اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية، وسط تحولات انتخابية قد تعيد رسم العلاقة بين لندن والأقاليم التي تشكل الدولة البريطانية.

وللمرة الأولى، تتولى أحزاب تؤيد إجراء استفتاءات بشأن مستقبل الارتباط بالمملكة المتحدة قيادة الحكومات في ثلاثة من أقاليمها الأربعة، في تطور يعكس اتساع النقاش حول الهوية الوطنية وتوزيع السلطة ومستقبل الاتحاد.

لكن صعود الأحزاب المؤيدة للاستقلال لا يعني بالضرورة أن الناخبين مستعدون للتصويت لصالح الانفصال؛ فالمؤشرات تختلف بصورة واضحة بين اسكتلندا وأيرلندا الشمالية وويلز، بينما تظل العقبات السياسية والقانونية أمام إجراء الاستفتاءات عاملًا حاسمًا.

وبحسب تحليل نشره موقع «ذا كونفرسيشن» للباحث إوغان كيلي، من جامعة كوين ماري في لندن، فإن اسكتلندا تبدو الأقرب إلى إمكانية تحقيق الاستقلال على المدى القصير، في حين لا تزال غالبية الناخبين في أيرلندا الشمالية وويلز تميل إلى استمرار الارتباط بالمملكة المتحدة.

تحالفات سياسية تعيد سؤال الوحدة إلى الواجهة

جاءت هذه التطورات بالتزامن مع تقارب سياسي بين قيادات الحكومات في اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية، التي اتفقت على تعزيز التعاون في ملفات تتعلق بمستقبل الحكم وصلاحيات الأقاليم.

وفي المقابل، يتبنى رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام توسيع الصلاحيات الممنوحة للحكومات المحلية باعتباره أحد توجهاته الأساسية، مع تأكيده خلال مؤتمر حزب العمال تمسكه باستمرار المملكة المتحدة موحدة.

ويكشف هذا التباين عن معضلة تواجه لندن؛ فبينما تتزايد المطالب بالحكم الذاتي والاستقلال، تحاول الحكومة المركزية الحفاظ على الاتحاد من خلال توسيع المشاركة السياسية وتوزيع الصلاحيات.

غير أن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بمواقف الأحزاب وحدها، بل بما يمكن أن يقرره الناخبون إذا أتيحت لهم فرصة التصويت في استفتاءات جديدة.

اسكتلندا.. باب الاستقلال الذي لم يُغلق منذ 2014

تبدو اسكتلندا الأكثر استعدادًا لخوض مواجهة انتخابية جديدة بشأن مستقبلها داخل المملكة المتحدة، بعدما ظلت قضية الاستقلال حاضرة بقوة في الحياة السياسية منذ الاستفتاء التاريخي الذي أجري عام 2014.

آنذاك، اختار 55% من الناخبين البقاء ضمن المملكة المتحدة، مقابل 45% صوتوا لصالح الاستقلال.

ورغم مرور أكثر من عقد على تلك النتيجة، لم يختف الانقسام بين المعسكرين، إذ أظهرت استطلاعات الرأي خلال السنوات الماضية تقاربًا مستمرًا بين مؤيدي الانفصال والمدافعين عن الاتحاد.

ويرى التحليل أن هذا التقارب يجعل نتيجة أي استفتاء جديد مفتوحة على احتمالات متعددة، خصوصًا إذا تغيرت الظروف السياسية داخل المملكة المتحدة.

وقد يتعزز التأييد للاستقلال في حال شهدت ويلز تحركات ناجحة نحو الانفصال، أو وصل حزب الإصلاح البريطاني إلى السلطة بسياسات ينظر إليها الناخبون الاسكتلنديون باعتبارها منحازة إلى إنجلترا.

ومع ذلك، فإن وجود قاعدة شعبية واسعة تؤيد الاستقلال لا يعني أن إجراء الاستفتاء أصبح مضمونًا، لأن المسار القانوني والسياسي يتطلب تجاوز عقبات تتعلق بموافقة الحكومة البريطانية وصلاحيات البرلمان الاسكتلندي.

أيرلندا الشمالية.. الهوية تحدد المواقف من الوحدة

تختلف قضية أيرلندا الشمالية عن اسكتلندا؛ فالنقاش هناك لا يدور حول تأسيس دولة مستقلة جديدة، وإنما حول إمكانية مغادرة المملكة المتحدة والانضمام إلى جمهورية أيرلندا، بما يؤدي إلى إعادة توحيد الجزيرة.

وترتبط هذه القضية بتاريخ طويل من الانقسامات السياسية والدينية والهويات الوطنية.

فقد ارتبط تأييد إعادة التوحيد تقليديًا بالقوميين الأيرلنديين، الذين ينتمي كثير منهم إلى المجتمع الكاثوليكي، بينما يميل الاتحاديون، الذين يرتبط جزء كبير منهم بالمجتمع البروتستانتي، إلى الحفاظ على العلاقة مع بريطانيا.

لكن هذه الصورة بدأت تتغير تدريجيًا مع ظهور شريحة من الناخبين لا تتبنى الانقسام التقليدي بصورة كاملة، خصوصًا بعد خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي.

وتتجه بعض هذه الفئات نحو أحزاب وسطية، مثل حزب التحالف وحزب الخضر، ما يجعل حسابات أي استفتاء مستقبلي أكثر تعقيدًا.

ورغم هذه التحولات، تشير التقديرات الواردة في التحليل إلى أن أغلبية الناخبين لا تزال تفضل بقاء أيرلندا الشمالية ضمن المملكة المتحدة.

وقد تصل نتيجة استفتاء يُجرى في الظروف الحالية، وفق تقدير الباحث، إلى نحو 55% لصالح استمرار الاتحاد، مقابل 45% يؤيدون إعادة توحيد أيرلندا.

لكن هذا التوازن قد يتغير إذا استقلت اسكتلندا أو تولى حزب الإصلاح قيادة الحكومة البريطانية، وهو ما قد يدفع بعض الناخبين إلى إعادة النظر في مستقبل الإقليم.

وتبقى هناك عقبة إضافية؛ إذ إن إعادة توحيد أيرلندا لا تتوقف على تصويت سكان الشمال وحدهم، بل تتطلب أيضًا موافقة الناخبين في جمهورية أيرلندا من خلال استفتاء.

ويلز.. صعود الأحزاب القومية لا يعني تأييد الانفصال

في ويلز، يبدو المشهد السياسي مختلفًا؛ فالأحزاب المؤيدة للاستقلال حققت تقدمًا انتخابيًا ملحوظًا، لكن هذا التقدم لم يتحول حتى الآن إلى أغلبية شعبية واضحة تؤيد مغادرة المملكة المتحدة.

ووفق الأرقام التي استند إليها التحليل، أصبح حزب «بلايد كيمرو» أكبر الأحزاب بعد حصوله على 35% من الأصوات في انتخابات البرلمان الويلزي.

وترتفع النسبة إلى نحو 43% عند إضافة أصوات حزب الخضر والأحزاب الصغيرة الأخرى التي تؤيد الاستقلال.

لكن الباحث يحذر من الخلط بين التصويت لهذه الأحزاب والتأييد المباشر للانفصال، لأن بعض الناخبين قد يختارونها لأسباب تتعلق بالسياسات المحلية أو الأداء الحكومي، وليس بالضرورة لرغبتهم في إقامة دولة مستقلة.

كما أن حزب العمال الويلزي اعتاد تحقيق نتائج أفضل في الانتخابات العامة البريطانية مقارنة ببعض الاستحقاقات المحلية، وهو ما يجعل التحولات الانتخابية عرضة للتغير.

وتلعب اللغة والهوية الثقافية دورًا مهمًا في تحديد المواقف؛ إذ يرتفع التأييد للاستقلال في المناطق الغربية التي تنتشر فيها اللغة الويلزية، بينما يتراجع في المناطق الشرقية والجنوبية التي يغلب عليها استخدام الإنجليزية.

وتشير استطلاعات الرأي إلى أن التأييد المباشر للاستقلال لا يتجاوز عادة 30%، في حين تقل نسبة مؤيدي الاتحاد عن 55% في بعض القياسات بسبب ارتفاع عدد المترددين.

ومع احتساب اتجاهات الناخبين غير الحاسمين، يقدر التحليل أن أكثر من 60% قد يصوتون لصالح بقاء ويلز ضمن المملكة المتحدة إذا أُجري استفتاء في الوقت الراهن.

هل يؤدي خروج اسكتلندا إلى سلسلة انفصالات؟

تكمن أهمية التطورات الحالية في أن مستقبل الدول الثلاث قد لا يتحدد بصورة منفصلة.

فإذا نجحت اسكتلندا في الحصول على استقلالها، فقد يشجع ذلك القوى القومية في ويلز، ويمنح دعاة إعادة توحيد أيرلندا دفعة سياسية جديدة.

وفي المقابل، قد يؤدي وصول حزب الإصلاح إلى رئاسة الحكومة البريطانية إلى تعزيز المطالب الانفصالية إذا اتبعت الحكومة سياسات يراها بعض سكان الأقاليم بعيدة عن مصالحهم وهوياتهم الوطنية.

لكن هذه الاحتمالات تظل سيناريوهات سياسية وليست نتائج محسومة.

كما أن الحكومة البريطانية قد ترفض السماح بإجراء استفتاءات جديدة في اسكتلندا أو ويلز، حتى إذا أظهرت استطلاعات الرأي ارتفاع التأييد للاستقلال.

وهذا يعني أن مستقبل الاتحاد لا يتوقف فقط على رغبات الناخبين، بل يتأثر أيضًا بالقوانين الدستورية ومواقف الحكومات وقدرة القوى السياسية على التوصل إلى اتفاق بشأن إجراء التصويت.

مستقبل المملكة المتحدة.. اسكتلندا أمام الاختبار الأصعب

يخلص تحليل «ذا كونفرسيشن» إلى أن اسكتلندا تظل الساحة الأكثر قابلية لحدوث تحول سياسي كبير خلال المستقبل القريب، نظرًا إلى تقارب نسب التأييد والرفض للاستقلال.

أما في أيرلندا الشمالية وويلز، فلا تشير المعطيات الحالية إلى وجود أغلبية مستعدة للموافقة على الانفصال أو إعادة التوحيد.

ومع ذلك، فإن استمرار صعود الأحزاب القومية، وتغير موازين القوى داخل البرلمان البريطاني، واحتمال وصول حكومات تتبنى توجهات مختلفة تجاه الأقاليم، كلها عوامل قد تعيد تشكيل المشهد خلال السنوات المقبلة.

وبين محاولات لندن الحفاظ على وحدة المملكة المتحدة وتنامي المطالب بمنح الأقاليم حق تقرير مستقبلها، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح بريطانيا في الحفاظ على اتحادها التاريخي، أم تصبح اسكتلندا نقطة البداية لتحولات قد تغير الخريطة السياسية للجزر البريطانية؟

 

إقرأ ايضا

زر الذهاب إلى الأعلى