عائشة القذافي تخرج من الظل إلى قلب الصراع السياسي في ليبيا.. هل ترث مشروع شقيقها وتفتح باب عودة العائلة إلى الحكم؟»

متابعات خاصة / وكالة دفّاق نيوز / لم تكن عائشة القذافي في صدارة المشهد السياسي الليبي خلال السنوات الماضية، لكن اسم ابنة الزعيم الراحل معمر القذافي عاد فجأة ليتردد في النقاشات المتعلقة بمستقبل السلطة، بعد ظهور دعوات تطالبها بتولي دور قيادي، ونتائج استطلاع إلكتروني وضعتها في مقدمة الشخصيات المطروحة لقيادة البلاد.

وتأتي هذه العودة في توقيت بالغ الحساسية؛ إذ لم تمضِ سوى أشهر على اغتيال شقيقها سيف الإسلام القذافي في فبراير 2026، وهو الذي ارتبط اسمه لسنوات بمحاولات إعادة أنصار النظام السابق إلى المنافسة السياسية.

وبين غياب الشقيق الذي كان يمثل الواجهة الأبرز لهذا المشروع، وظهور اسم شقيقته في استطلاع أثار الجدل، عاد سؤال قديم إلى الواجهة بصيغة جديدة: هل تستعد عائلة القذافي لخوض فصل آخر من الصراع السياسي في ليبيا، وهذه المرة من خلال عائشة؟

141 ألف صوت تفتح باب التكهنات

بدأت موجة الاهتمام الأخيرة مع إعلان نتائج استطلاع إلكتروني أجرته منصة «المرشح الأفضل» خلال سبتمبر 2026، وشارك فيه، بحسب الأرقام المعلنة، نحو 550 ألف صوت.

وجاءت عائشة القذافي في المرتبة الأولى بحصولها على 141 ألفًا و502 صوت، متقدمة على أقرب منافسيها بفارق تجاوز 30 ألف صوت، لتستحوذ على نحو 25.7% من إجمالي الأصوات المسجلة.

ورغم أن النتيجة منحت أنصارها مادة جديدة للحديث عن حضورها السياسي، فإنها لا تعني فوزًا انتخابيًا، ولا تثبت امتلاكها قاعدة شعبية تمثل مختلف أنحاء ليبيا.

فالمنصة نفسها أوضحت أن التصويت غير رسمي، بينما لم تُنشر معلومات كافية عن هوية المشاركين وتوزيعهم الجغرافي، أو آليات منع التصويت المتكرر، وهي عوامل تحول دون اعتباره استطلاعًا علميًا يعكس اتجاهات الرأي العام الليبي.

ومع ذلك، كانت الأرقام كافية لإعادة اسم عائشة إلى دائرة الضوء، وفتح نقاش تجاوز حدود التصويت الإلكتروني إلى مستقبل عائلة حكمت ليبيا أكثر من أربعة عقود.

من فزان.. دعوات تعيد طرح اسم القذافي

لم يتوقف الجدل عند نتائج الاستطلاع.

ففي جنوب ليبيا، ظهرت دعوات منسوبة إلى نساء من منطقة فزان، تطالب بمنح عائشة القذافي دورًا قياديًا ومبايعتها لمواصلة المسار السياسي الذي كان يتبناه شقيقها سيف الإسلام.

وتحمل هذه الدعوات دلالات خاصة بالنسبة إلى أنصار النظام السابق، الذين فقدوا باغتيال سيف الإسلام الشخصية الأكثر ارتباطًا بمشروع العودة إلى السلطة عبر الانتخابات.

فقد كان سيف الإسلام، منذ ظهوره مجددًا على الساحة السياسية وترشحه للرئاسة في نوفمبر 2021، أحد أبرز الأسماء التي راهن عليها مؤيدو والده لإعادة تمثيلهم داخل مؤسسات الحكم.

لكن اغتياله ترك فراغًا سياسيًا داخل هذا التيار، وأثار تساؤلات بشأن الشخصية القادرة على جمع أنصاره والحفاظ على حضورهم في أي تسوية سياسية مقبلة.

وفي هذا السياق، بدأ اسم عائشة يظهر بوصفه احتمالًا جديدًا، وإن لم يصدر عنها إعلان رسمي يفيد اعتزامها خوض الانتخابات أو تولي قيادة سياسية.

عائشة تتحدث.. وتطلب إخراج اسمها من المنافسة

وسط هذه الأجواء، خرجت عائشة القذافي عن صمتها لتعلق على تصدرها نتائج الاستطلاع.

ولم تتعامل مع الأصوات التي حصلت عليها باعتبارها مجرد أرقام، بل رأت فيها تعبيرًا عن الثقة والوفاء، وقالت إن وراء كل صوت سندًا ومسؤولية تسعى إلى صونها.

غير أن المفاجأة جاءت في طلبها من القائمين على منصة «المرشح الأفضل» عدم إدراج اسمها مجددًا ضمن قوائم التصويت، قائلة إنها ترغب في ترك شيء من الأمل للآخرين الساعين إلى الفوز.

وأضفت هذه العبارة طابعًا لافتًا على ردها، وفتحت الباب أمام تفسيرات متباينة؛ فبينما قد يقرأها مؤيدوها تعبيرًا عن الثقة بالنفس، لا يمكن اعتبارها إعلانًا عن طموح رئاسي أو قرارًا بدخول السباق الانتخابي.

لكن الرسالة الأهم في حديثها لم تكن مرتبطة بالتصويت وحده، وإنما بموقفها من الانقسام الذي تعيشه البلاد منذ سقوط نظام والدها عام 2011.

رسالة تتجاوز الانقسام بين سبتمبر وفبراير

في جانب آخر من تصريحاتها، دعت عائشة القذافي إلى تجاوز الانقسامات التي تشكلت بين أنصار النظام السابق ومؤيدي أحداث فبراير 2011.

واستخدمت عبارة «أنا تيار سبتمبر وأنت فبراير» في انتقاد لغة التصنيف السياسي التي ظلت حاضرة في المشهد الليبي طوال السنوات الماضية، داعية إلى تجاوزها نحو مساحة مشتركة تجمع الليبيين.

وتكتسب هذه الرسالة أهميتها من هوية صاحبتها؛ فهي ابنة الرجل الذي ارتبط اسمه بمرحلة حكم طويلة انتهت بأحداث دامية وانقسام سياسي واجتماعي عميق.

ولذلك، فإن أي محاولة منها للانتقال من رمزية العائلة إلى ممارسة دور سياسي أوسع ستواجه اختبارًا يتجاوز شعبية الاسم، إلى القدرة على مخاطبة أطراف لا تزال تختلف جذريًا في تقييم حقبة القذافي وما أعقبها.

من مساندة شقيقها إلى تصدر المشهد بنفسها

قبل نحو خمس سنوات، كانت عائشة القذافي تظهر في المشهد السياسي من موقع الداعمة لشقيقها.

ففي نوفمبر 2021، أعلنت تأييدها ترشح سيف الإسلام للرئاسة، في وقت كان يسعى فيه إلى العودة إلى الحياة العامة من خلال صناديق الاقتراع.

أما اليوم، فقد تغيرت الظروف بصورة جذرية.

فسيف الإسلام لم يعد حاضرًا، والمشهد السياسي لا يزال منقسمًا، بينما أصبحت عائشة نفسها محور دعوات وتكهنات بشأن مستقبل التيار المرتبط بعائلتها.

ومع ذلك، يبقى الفارق كبيرًا بين تداول اسمها بوصفها مرشحة محتملة وبين اتخاذها خطوة سياسية فعلية. وحتى الآن، لا تشير المعطيات الواردة إلى إعلان رسمي منها بالترشح أو إطلاق مشروع لقيادة البلاد.

ليبيا تنتظر الانتخابات.. والخلافات تسبق صناديق الاقتراع

بعيدًا عن الجدل المتعلق بعائلة القذافي، تواجه ليبيا تحديًا أكبر يتمثل في التوصل إلى مسار انتخابي قادر على إنهاء سنوات من الانقسام المؤسسي والسياسي.

وتتواصل التحركات الدولية لدفع العملية السياسية نحو انتخابات عامة، وسط حديث عن ترتيبات قد تمتد إلى أواخر عام 2028، لكن الخلافات بشأن القوانين الانتخابية وتوزيع الصلاحيات ومستقبل المؤسسات لا تزال تعرقل التقدم.

وفي الرابع من أكتوبر 2026، ناقشت بعثة الأمم المتحدة خلال اجتماع في تونس، برئاسة المبعوثة الخاصة هانا تيتيه، تداعيات الانقسام داخل السلطة القضائية على العملية الانتخابية.

وركزت المناقشات على أهمية معالجة هذه الخلافات مع ضمان استقلال القضاء، باعتبار أن وجود مؤسسات قضائية تحظى بالثقة يمثل أحد الشروط الضرورية لتنظيم انتخابات نزيهة وقبول نتائجها.

وتعكس هذه التطورات حجم التعقيدات التي تنتظر أي شخصية تفكر في المنافسة على قيادة ليبيا، سواء كانت من عائلة القذافي أو من القوى السياسية الأخرى.

هل تتحول عائشة إلى الوريثة السياسية لسيف الإسلام؟

لم يعد السؤال المطروح في ليبيا مقتصرًا على مدى شعبية عائشة القذافي، بل أصبح يتعلق بإمكانية انتقال الدور السياسي الذي كان يؤديه شقيقها إلى شخص آخر داخل العائلة.

فأنصار النظام السابق يبحثون عن مستقبل حضورهم السياسي، فيما لا تزال قطاعات أخرى من الليبيين تنظر بحذر إلى أي محاولة لإعادة أفراد الأسرة إلى مواقع السلطة.

وبين هذا التأييد والتحفظ، تقف عائشة أمام مشهد مفتوح على احتمالات متعددة، دون أن تتوافر حتى الآن مؤشرات كافية للجزم بأنها قررت دخول المنافسة السياسية.

قد تبقى ابنة القذافي رمزًا يستحضر من خلاله مؤيدو والدها مرحلة سابقة، وقد تتحول لاحقًا إلى شخصية فاعلة في المعادلة السياسية إذا اختارت ذلك وتوافرت الظروف القانونية والانتخابية المناسبة.

لكن المؤكد أن اغتيال سيف الإسلام لم ينهِ الجدل حول مستقبل عائلة القذافي في ليبيا، وأن عودة اسم عائشة إلى الواجهة أعادت فتح ملف ظل حاضرًا منذ عام 2011: هل انتهى الدور السياسي للعائلة بسقوط نظامها، أم أن ليبيا قد تشهد محاولة جديدة لعودتها، هذه المرة بوجه نسائي؟

إقرأ ايضا

زر الذهاب إلى الأعلى