من ظلال الاستخبارات إلى عرش الكرملين.. أسرار بوتين الرجل الذي حكم روسيا ربع قرن ولا تزال حياته لغزًا

متابعات خاصة / وكالة دفّاق نيوز / في السابع من أكتوبر 1952، وُلد طفل في مدينة لينينغراد السوفياتية، التي تُعرف اليوم بسانت بطرسبورغ. لم يكن أحد يتخيل آنذاك أن هذا الطفل سيصبح بعد عقود واحدًا من أكثر رجال العالم نفوذًا وإثارة للجدل، وأن اسمه سيقترن بروسيا إلى درجة يصعب معها الفصل بين تاريخ البلاد الحديث ومسيرته السياسية.

إنه فلاديمير بوتين، الذي يحتفل بعيد ميلاده الـ74 بعدما أمضى أكثر من ربع قرن في قلب السلطة الروسية، متنقلًا بين الرئاسة ورئاسة الحكومة، بينما بقي الرجل الأقوى في المشهد السياسي منذ الأيام الأخيرة من عام 1999.

لكن خلف الصورة الصارمة التي يظهر بها سيد الكرملين، توجد رحلة طويلة بدأت بعيدًا عن قصور الحكم.

البداية من لينينغراد.. طفل في مدينة تحمل جراح الحرب

نشأ بوتين في أسرة متواضعة بمدينة لينينغراد التي كانت لا تزال تحمل آثار الحصار المدمر خلال الحرب العالمية الثانية.

درس القانون في جامعة لينينغراد الحكومية وتخرج عام 1975، لكن وجهته التالية لم تكن المحاماة أو القضاء، بل عالم الاستخبارات السوفياتية.

التحق بجهاز الاستخبارات السوفياتي الشهير «كي جي بي»، وقضى جزءًا من خدمته في مدينة دريسدن بألمانيا الشرقية، قبل أن تعيده التحولات الكبرى وانهيار الاتحاد السوفياتي إلى روسيا ومسار جديد تمامًا.

من الاستخبارات إلى السياسة

بعد انتهاء مسيرته الاستخباراتية، دخل بوتين الإدارة المحلية في سانت بطرسبورغ، ومنها بدأ صعوده السياسي.

وعندما انتقل إلى موسكو، تسارعت خطواته بصورة لافتة.

في عام 1998 أصبح مديرًا لجهاز الأمن الفيدرالي الروسي «FSB»، وريث جزء من منظومة الاستخبارات السوفياتية، وبعد نحو عام فقط عيّنه الرئيس بوريس يلتسين رئيسًا للوزراء.

لكن المفاجأة الكبرى جاءت في 31 ديسمبر 1999.

في ذلك اليوم أعلن يلتسين استقالته، وانتقلت مهام الرئاسة بالوكالة إلى بوتين، الرجل الذي لم يكن قبل سنوات قليلة اسمًا معروفًا على نطاق واسع خارج دوائر السلطة.

ومن هناك بدأت حقبة جديدة في تاريخ روسيا.

ربع قرن والرجل نفسه في قلب السلطة

فاز بوتين بالرئاسة عام 2000، ثم أعيد انتخابه عام 2004.

وبعد انتهاء ولايتين متتاليتين، انتقل عام 2008 إلى رئاسة الحكومة، بينما أصبح دميتري ميدفيديف رئيسًا للبلاد.

لكن بوتين لم يبتعد طويلًا عن الكرملين.

عاد إلى الرئاسة عام 2012، واستمر منذ ذلك الحين في قيادة روسيا، قبل أن يفوز في انتخابات 2024 بولاية جديدة تمتد حتى عام 2030.

كما فتحت تعديلات دستورية أُقرت عام 2020 الباب أمام إمكانية استمراره في الرئاسة حتى عام 2036 إذا ترشح وفاز مجددًا.

وهكذا تحوّل الضابط السابق في الاستخبارات إلى أحد أطول القادة بقاءً في قمة السلطة الروسية في التاريخ الحديث.

الرجل الذي أعاد رسم صورة روسيا

خلال سنوات بوتين، تغيرت روسيا بصورة عميقة.

يرى مؤيدوه أنه تسلم دولة أنهكتها اضطرابات التسعينيات، وأعاد بناء سلطة مركزية قوية، وعزز قدرات الجيش، وأعاد لموسكو حضورها الثقيل على المسرح الدولي.

أما منتقدوه فيرون صورة مختلفة؛ نظامًا سياسيًا شديد المركزية، تقلصت داخله مساحة المعارضة والإعلام المستقل، وتركزت فيه السلطة بصورة متزايدة حول الكرملين.

وبين الروايتين، تبقى حقيقة واحدة واضحة: روسيا التي دخلت القرن الحادي والعشرين ليست روسيا نفسها بعد أكثر من ربع قرن من وجود بوتين في قمة الحكم.

من القرم وسوريا إلى حرب أوكرانيا

لم تقتصر بصمة بوتين على الداخل الروسي

شهد عهده الحرب مع جورجيا عام 2008، وضم روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014، وهي خطوة رفضتها غالبية المجتمع الدولي، ثم التدخل العسكري الروسي في سوريا عام 2015.

لكن الحدث الذي قد يطغى على بقية إرثه السياسي يبقى الحرب في أوكرانيا.

فمنذ بدء الغزو الروسي واسع النطاق في فبراير 2022، دخلت موسكو في مواجهة غير مسبوقة منذ عقود مع الغرب، وفُرضت عليها عقوبات واسعة، بينما أصبحت الحرب أحد أكبر الملفات التي تحدد علاقات روسيا بالولايات المتحدة وأوروبا.

ومع بلوغه الرابعة والسبعين، لا تزال الحرب تلقي بظلالها على روسيا وعلى إرث الرجل الذي يقودها.

حياة شخصية خلف الأبواب المغلقة

ورغم أن بوتين واحد من أشهر قادة العالم، فإن جزءًا كبيرًا من حياته الخاصة بقي بعيدًا عن الأضواء.

نادراً ما يتحدث علنًا عن أسرته، وظلت تفاصيل كثيرة من حياته الشخصية خارج الخطاب الرسمي للكرملين.

وفي المقابل، حرصت صورته العامة على إظهار جانب مختلف: رجل يمارس الجودو، ويلعب الهوكي، ويصطاد الأسماك، ويقود المركبات، ويظهر في أنشطة رياضية ومغامرات خارج المكاتب الرسمية.

ويتحدث بوتين الألمانية، وهي مهارة ارتبطت بالسنوات التي أمضاها في دريسدن خلال خدمته الاستخباراتية.

عيد ميلاد في زمن مختلف

يبلغ بوتين 74 عامًا بينما يقف العالم في مرحلة شديدة التوتر، وروسيا في قلب واحدة من أخطر المواجهات الدولية منذ نهاية الحرب الباردة.

قبل أيام فقط من عيد ميلاده، عاد الرئيس الروسي للتحذير من خطورة التصعيد مع الغرب، مؤكدًا أن موسكو ستدافع عن أراضيها بكل الوسائل المتاحة إذا تعرضت لهجوم مباشر.

وبين حرب مستمرة، وعقوبات وضغوط اقتصادية، ومواجهة سياسية وعسكرية طويلة مع الغرب، يدخل بوتين عامًا جديدًا من حياته بينما تبقى الأسئلة الأكبر بلا إجابة.

ليس فقط: كم عامًا آخر سيبقى في الكرملين؟

بل السؤال الأهم: كيف ستبدو روسيا عندما يأتي اليوم الذي يغادر فيه فلاديمير بوتين السلطة؟

فبعد أكثر من ربع قرن، لم يعد الحديث عن بوتين مجرد قصة رئيس حكم روسيا طويلًا، بل قصة رجل ارتبط اسمه بمرحلة كاملة من تاريخها الحديث، من انهيار ما بعد الاتحاد السوفياتي إلى عودة موسكو لاعبًا دوليًا صداميًا، وصولًا إلى أكبر مواجهة بينها وبين الغرب منذ عقود.

وفي عيده الرابع والسبعين، يبقى الرجل الذي دخل الكرملين في نهاية عام 1999 هناك حتى اليوم.. بينما لا تزال نهاية قصته السياسية غير مكتوبة.

إقرأ ايضا

زر الذهاب إلى الأعلى