متابعات خاصة / وكالة دفّاق نيوز / لم تعد تحركات الحوثيين، وفق معلومات وتحقيقات حديثة، محصورة داخل حدود اليمن. فشبكة من طرق الشحن والوسطاء والمدربين والمقاتلين تمتد عبر خليج عدن، كاشفةً عن مستوى متقدم من التعاون بين الجماعة وحركة الشباب الصومالية، رغم الاختلاف الأيديولوجي والمذهبي بين الطرفين.
وبحسب معلومات نشرتها «إرم نيوز» استنادًا إلى مصادر أمنية واستقصائية، توسعت خلال الفترة الأخيرة بنية لوجستية وعسكرية تربط اليمن بجيبوتي والساحل الصومالي، بالتوازي مع عمليات لنقل الأسلحة والخبرات وتبادل المدربين والمقاتلين.
شركة في قلب شبكة الشحن
ويبرز في مسارات الشبكة اسم شركة «77 لوجستيات» المسجلة في جيبوتي، والتي قالت المصادر إنها استُخدمت ضمن منظومة لنقل شحنات باتجاه المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين في اليمن.
وتكشف سجلات تجارية عن استيراد الشركة مواد كيميائية، من بينها نترات الأمونيوم وكربيد الكالسيوم وبيركلورات الصوديوم. وهذه المواد لها استخدامات مدنية مشروعة، لكنها قد تدخل أيضًا في تطبيقات عسكرية وصناعة المتفجرات، فيما لا تكفي سجلات الاستيراد وحدها لإثبات الوجهة النهائية لهذه المواد أو طريقة استخدامها.
وتكتسب هذه البيانات أهمية أكبر عند ربطها بعمليات ضبط بحرية سابقة. فبحسب تحقيق لـ«سنتشري إنترناشيونال»، احتوت شحنات اعترضتها قوات يمنية على بضائع سبق أن استوردتها الشركة.
كما ظهر اسم «77 لوجستيات» في بيان حمولة عُثر عليه على متن سفينة «الشروة»، التي ضُبطت عام 2025 وعلى متنها نحو 750 طنًا من المعدات العسكرية، تضمنت مئات الصواريخ ومكونات صاروخية إيرانية ومحركات للمسيّرات ورادارات ومعدات اتصالات.
وبحسب التحقيق، أفاد ربان السفينة بأنها نفذت نحو 12 رحلة بين جيبوتي وميناء الصليف الخاضع للحوثيين منذ مطلع عام 2024.
الجسر لا ينقل الشحنات فقط
الأخطر أن النشاط، وفق المصادر والتحقيقات المشار إليها، تجاوز عمليات النقل والتهريب إلى تبادل الخبرات العسكرية والتدريب.
وتشير المعلومات إلى انتقال مدربين حوثيين إلى الصومال، في مقابل انتقال عناصر صومالية إلى مناطق الحوثيين داخل اليمن، فيما شملت التدريبات خلال 2026 تجميع الطائرات المسيّرة وتشغيل طائرات FPV والتعامل مع المتفجرات والأسلحة.
وتتقاطع هذه المعلومات مع ما بحثه خبراء تابعون للأمم المتحدة بشأن العلاقة بين الطرفين.
وبحسب المعلومات التي راجعها فريق الخبراء، تحدث عنصر صومالي مرتبط بحركة الشباب وعمل ضابط اتصال بين الجانبين عن انتقال نحو 400 صومالي إلى مناطق الحوثيين للحصول على تدريب عسكري وعقائدي، مقابل انتقال مهندسين عسكريين حوثيين إلى جليب، أحد أبرز معاقل حركة الشباب في جنوب الصومال.
وتركزت التدريبات هناك، وفق تلك المعلومات، على العبوات الناسفة وتعديل المسيّرات وصيانة الأسلحة.
كما وثق فريق خبراء الصومال أربع مجموعات، تضم كل واحدة منها نحو 30 عنصرًا من حركة الشباب، أُرسلت إلى اليمن للتدريب. وتشير معلومات أمنية أحدث أوردها التقرير إلى أن أكثر من 100 عنصر من الحركة تلقوا تدريبات داخل اليمن، فيما أمضت إحدى المجموعات ثلاثة أشهر في صعدة للتدرب على تجميع المسيّرات وتشغيل طائرات FPV.
رجال يتحركون بين الضفتين
وتكشف التحقيقات كذلك عن شخصيات لعبت أدوارًا في إدارة قنوات الاتصال ونقل السلاح والعناصر بين اليمن والصومال.
ومن أبرز الأسماء الصومالي جبريل يحيى علي، المعروف بـ«غعمي»، والذي تشير التحقيقات إلى أنه تحرك بين البلدين منذ عام 2023 وساهم في شراء أسلحة ونقلها إلى حركة الشباب.
وبحسب المعلومات المنشورة، حصل الرجل على شقة في صنعاء ووثيقة سفر يمنية باسم مستعار، قبل مقتله قرب الغيضة بمحافظة المهرة في فبراير/شباط 2026.
وسبق للأمم المتحدة أن وثقت اجتماعين على الأقل بين ممثلين للحوثيين وحركة الشباب داخل الصومال خلال يوليو/تموز وسبتمبر/أيلول 2024.
ووفق الخبراء، طلبت حركة الشباب خلال تلك الاتصالات الحصول على أسلحة متقدمة وتدريب، فيما طُلب منها زيادة نشاط القرصنة في خليج عدن وقبالة السواحل الصومالية.
ووصف الخبراء العلاقة بين الجانبين بأنها تقوم على المصالح والمنفعة المتبادلة أكثر من قيامها على تقارب مذهبي أو أيديولوجي.
خليج عدن يتحول إلى ممر في الاتجاهين
وتشير الصورة التي ترسمها هذه التحقيقات إلى أن الساحل الصومالي لم يعد مجرد محطة عبور محتملة للشحنات المتجهة إلى اليمن، بل أصبح جزءًا من شبكة تعمل في الاتجاهين.
ففي الوقت الذي يستفيد فيه الحوثيون من طرق التهريب البحرية باتجاه اليمن، تظهر مؤشرات على محاولتهم بناء موطئ قدم لوجستي أكثر ثباتًا على الساحل الأفريقي، بما يسمح بتخزين الشحنات وتقسيمها ونقلها على دفعات، الأمر الذي قد يزيد صعوبة اعتراضها.
وحدد خبراء أمميون بالفعل مسارات بحرية تنطلق من مواقع على الساحل الصومالي، بينها قندلة وعلولة ورأس عسير.
وهكذا، تكشف المعطيات المنشورة عن شبكة تتجاوز مجرد تهريب السلاح: مقاتلون يعبرون البحر، ومدربون يتحركون في الاتجاه المعاكس، ومسارات بحرية وشركات ووسطاء يربطون ضفتي خليج عدن.
والنتيجة أن المسافة بين صعدة وجليب لم تعد، وفق هذه التحقيقات، مجرد مسافة جغرافية؛ بل أصبحت جزءًا من مسار أمني وعسكري متشابك يمتد من اليمن إلى القرن الأفريقي.