اليمن .. حين تُهان «الشرعية».. لا تسألوا من أهانها، اسألوا من أضاع هيبة الدولة وأوصلها إلى هذا الحال؟

بقلم / أنور حيدر— رئيس تحرير دفّاق نيوز
ما قاله الناشط السعودي سعد العمري أخيرًا بحق قيادات في السلطة اليمنية المعترف بها دوليًا، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد سجال عابر على مواقع التواصل، ولا أن تُختزل القضية في شخص أطلق كلمات قاسية ثم نمضي .
السؤال الأخطر ليس: ماذا قال سعد العمري؟
بل: من أوصل الدولة اليمنية وقيادتها إلى مرحلة يصبح فيها ممثلوها عرضة لمثل هذا الخطاب؟ ومن أضاع هيبة الدولة حتى أصبحت مؤسساتها بهذا القدر من الهشاشة؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يقلق السلطة أكثر من كلمات العمري نفسها.
فالحكومة التي قضى عدد من مسؤوليها وقياداتها سنوات طويلة خارج البلاد، بينما كان المواطن اليمني يواجه الحرب وانهيار العملة وتدهور الخدمات وانقطاع الكهرباء وتعثر الرواتب، لا تستطيع أن تتصرف اليوم وكأن المشكلة بدأت بمنشور أو مساحة على منصة اجتماعية.
المشكلة أقدم وأعمق
منذ سنوات، قال يمنيون لهذه السلطة: عودوا إلى اليمن، احكموا من أرض اليمن، عيشوا وسط الناس، واجهوا ما يواجهه المواطن، وابنوا نموذجًا للدولة في المناطق التي تديرونها.
لكن كثيرًا ممن وجهوا هذا النقد تعرضوا للهجوم والتخوين والسب، وكأن مطالبة المسؤول بأن يمارس مهامه من داخل وطنه أصبحت مؤامرة على «الشرعية».
واليوم تعود الكلمات نفسها، لكن بصوت آخر ومن خارج اليمن.
وهنا يحق السؤال:
هل كان أولئك الذين طالبوا الحكومة بالعودة أعداءً للشرعية، أم أنهم كانوا يحذرونها من المصير الذي وصلت إليه؟
وأين رئيس مجلس القيادة من كل هذا؟
السؤال الأكثر إحراجًا يتعلق برأس السلطة نفسها:
ما قيمة رئيس مجلس قيادة رئاسي إذا لم تنعكس رئاسته في دولة قوية ومؤسسات يشعر المواطن بوجودها؟
نحن نتحدث عن الدكتور رشاد العليمي، الذي يحمل رسميًا منصب رئيس مجلس القيادة الرئاسي والقائد الأعلى للقوات المسلحة.
ومنصب بهذا الحجم ليس لقبًا بروتوكوليًا، ولا صورة في اجتماع، ولا خطابًا في مناسبة، ولا سلسلة من الاتصالات واللقاءات والبيانات.
إنه أعلى موقع في هرم السلطة المعترف بها دوليًا، ومن حق اليمني أن يسأل صاحبه عن الحصيلة:
ماذا تغيّر في حياة اليمني؟
هل أصبحت مؤسسات الدولة أكثر حضورًا؟
هل توحّد القرار داخل معسكر الحكومة؟
هل أصبح المواطن أكثر ثقة بسلطته؟
وهل تحولت المناطق الواقعة تحت سلطتها إلى نموذج لدولة يشعر المواطن فيها بالأمن والاستقرار وحضور المؤسسات؟
هذه ليست أسئلة شخصية موجهة إلى رشاد العليمي، بل أسئلة سياسية يفرضها المنصب نفسه.
فإذا كان رئيس مجلس القيادة لا يستطيع فرض رؤية سياسية موحدة، ولا تحويل الاعتراف الدولي إلى دولة قوية في الداخل، ولا جعل المواطن يشعر بوجود مؤسسة رئاسة قادرة على قيادة المرحلة، فإن السؤال المشروع يصبح:
ما الذي تبقى من قيمة هذا المنصب بالنسبة إلى المواطن، غير الاسم والبروتوكول والصفة الرسمية؟
فالمنصب الكبير لا تصنع قيمته اللافتة المعلقة على بابه، بل ما يستطيع صاحبه أن يفعله للدولة التي يرأسها.
وكلما اتسعت الفجوة بين ضخامة اللقب وضآلة ما يلمسه المواطن على الأرض، أصبح السؤال عن جدوى السلطة نفسها أكثر إلحاحًا.
شرعية على الورق لا تكفي
المشكلة أن البعض يتعامل مع كلمة «الشرعية» وكأنها شهادة صلاحية أبدية.
لكن الشرعية ليست مجرد اعتراف خارجي؛ بل تحتاج إلى دولة ومؤسسات وحضور وقرار ومسؤولية ومحاسبة.
ماذا يستفيد المواطن من اعتراف العالم بحكومته إذا كان لا يجد كهرباء؟
وماذا تعني له الألقاب الرسمية إذا كان راتبه يتآكل، وعملته تنهار، والخدمات تتدهور، ومؤسسات دولته عاجزة عن توفير أبسط مقومات الحياة؟
لا يكفي أن تقولوا للناس: نحن الشرعية أثبتوا لهم أنكم دولة.
«نعم، يتحمل الحوثيون مسؤولية كبرى عن الحرب، وعن الانقلاب على مؤسسات الدولة والسيطرة عليها بالقوة، وما أعقب ذلك من انقسام ودمار ضرب اليمن.» ، كما تعمل الحكومة وسط واقع عسكري وسياسي شديد التعقيد وتعدد في القوى ومراكز النفوذ والتدخلات الإقليمية.
لكن هذه الظروف لا يمكن أن تصبح إجابة أبدية عن كل فشل.
إذا انقطعت الكهرباء: الحرب.
إذا تدهورت الخدمات: الظروف.
إذا غاب المسؤول: الوضع الأمني.
إذا فشلت الحكومة: الانقسام.
حسنًا…
وأين مسؤولية السلطة إذن؟
إذا كانت لكل مشكلة شماعة، فلماذا توجد حكومة أصلًا؟ ولماذا يوجد رئيس وزراء ووزراء ومحافظون ومجلس قيادة رئاسي ورئيس ونواب ومستشارون؟
المواطن لا يمنح المسؤول منصبه لكي يشرح له أسباب العجز إلى الأبد، بل لكي يعمل على معالجة هذا العجز.
الذين شتمتموهم بالأمس كانوا يقولون لكم: عودوا
هنا تكمن المفارقة الأكثر مرارة.
منذ سنوات واليمنيون يقولون لمسؤوليهم: عودوا إلى وطنكم.
لم يطلبوا المستحيل. قالوا: مارسوا السلطة من أرضكم، عيشوا مع الناس، وابنوا دولة في المناطق التي تستطيعون إدارتها.
ومع ذلك، كان بعض المدافعين عن السلطة يواجهون هذا النقد بالشتائم والتخوين.
واليوم، عندما يأتي شخص من خارج اليمن ويقول كلامًا قاسيًا عن قيادات موجودة في الخارج، تصبح الحقيقة أكثر مرارة.
ليس لأن ما يقوله الآخر يصبح صحيحًا لمجرد أنه قاله، بل لأن السلطة التي ترفض الاستماع إلى نقد مواطنيها قد تجد نفسها يومًا مضطرة إلى سماع الكلام نفسه من الآخرين بصورة أشد قسوة.
وهنا تحديدًا، سعد العمري ليس القضية.
غدًا قد يختفي اسمه من النقاش، وقد ينتقل الرأي العام إلى قضية أخرى، لكن الأسئلة ستبقى:
أين الدولة؟
أين هيبة مؤسساتها؟
أين حصيلة كل هذه السنوات؟
أين رئيس مجلس القيادة من مشروع بناء سلطة يشعر المواطن بوجودها؟
وأين المسؤول من مسؤوليته؟
فأسهل شيء أن تتحول القضية إلى معركة حول شخص، والأصعب أن تنظر السلطة إلى المرآة وتسأل نفسها:
لماذا أصبح الحديث عنا بهذه الطريقة ممكنًا أصلًا؟
الهيبة لا تُطلب.. الهيبة تُبنى
الدولة المحترمة لا تحتاج إلى جيش إلكتروني يدافع عن كرامتها كل صباح، ولا إلى تخوين كل من ينتقدها.
الدولة تفرض احترامها عندما تعمل.
عندما يكون القانون أقوى من المسؤول.
عندما يُحاسب الفاسد.
عندما يعرف المواطن أين تذهب الأموال.
عندما يعيش المسؤول بين الناس الذين يدير شؤونهم.
وعندما يشعر المواطن بأن هناك سلطة تستطيع اتخاذ قرار وتنفيذه وتحمل نتائجه.
الهيبة ليست خطابًا.. الهيبة نتيجة.
لذلك، إذا كنتم تمثلون الجمهورية اليمنية، فليكن اليمن مركز عملكم السياسي والإداري.
وإذا كانت هناك ظروف أمنية أو سياسية تمنع مسؤولًا بعينه من العمل داخل البلاد، فليصارح الناس بها.
وإذا كانت هناك أطراف تمنع الحكومة من ممارسة سلطتها، فلتسمِّها أمام الشعب ولتتحمل مسؤولية موقفها.
أما أن تبقى السلطة معلقة بين الداخل والخارج، ثم يُطلب من المواطن ألا يسأل وألا ينتقد وألا يغضب، فهذه ليست علاقة دولة بمواطن.
هذه مطالبة بالصمت.
وأخيرًا.. لا تغضبوا من المرآة
المشكلة ليست في المرآة عندما تكشف الوجه المتعب، ولا في الصحفي عندما يسأل، ولا في المواطن عندما ينتقد.
الكارثة الحقيقية هي أن تصل مؤسسات دولة إلى وضع يجعل هذا الكلام يجد ما يتغذى عليه.
لذلك لا تسألوا فقط:
من أهان الشرعية؟
اسألوا السؤال الذي هرب منه كثيرون طويلًا:
من أضاع هيبة الدولة؟
واسألوا رئيس مجلس القيادة الرئاسي:
ماذا أضاف منصبك إلى قوة الدولة وهيبتها وحياة مواطنيها؟
واسألوا الحكومة:
ماذا أنجزتم للناس حتى يتمسكوا بكم ويدافعوا عنكم من تلقاء أنفسهم؟
واسألوا أولئك الذين كانوا يشتمون كل يمني طالب المسؤولين بالعودة:
هل فهمتم الآن لماذا كنا نقول لهم: عودوا إلى وطنكم؟
فالدولة التي تريد احترام الآخرين يجب أن تبدأ باحترام نفسها، واحترام الدولة لنفسها يبدأ بأن تكون موجودة حيث يجب أن تكون:
بين شعبها، وعلى أرضها، وتحت أنظار مواطنيها ومساءلتهم.
أما الألقاب والبيانات والصور والاجتماعات والاعترافات الدولية، فلن تعوّض شعبًا عن دولة لا يشعر بقوتها في حياته.
فالشرعية التي لا تتحول إلى دولة تبقى مجرد صفة.
والرئاسة التي لا يلمس المواطن أثرها، سيظل من حقه أن يسأل: ما قيمتها؟
— من مقال رأي تحليلي لرئيس تحرير دفّاق نيوز | أنورحيدر




