في ضربة جديدة لطموحات بروكسل، رفض الآيسلنديون إعادة فتح مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، بعدما صوّت 52.8% ضد الخطوة، في نتيجة تكشف أزمة أعمق من مجرد خلاف سياسي، وتطرح سؤالًا محرجًا: لماذا لا تنجذب الدول الأوروبية الأكثر ثراءً إلى الاتحاد؟
الرفض الآيسلندي يعيد تسليط الضوء على نمط لافت داخل القارة؛ فبينما تتسابق دول في أوروبا الشرقية والبلقان للحصول على الدعم والاستثمارات الأوروبية، تتمسك دول أوروبية غنية خارج الاتحاد، مثل النرويج وسويسرا وآيسلندا، باستقلال قرارها وسيادتها.
آخر الأثرياء دخلوا الاتحاد قبل 30 عامًا
بحسب مجلة «لكسبريس» الفرنسية، تعود آخر موجة انضمام لدول أوروبية غنية إلى عام 1995، عندما التحقت السويد وفنلندا والنمسا بالاتحاد، لتتحول سريعًا إلى مساهمين صافين في ميزانيته.
ومنذ مطلع الألفية، ضمت التوسعات الأوروبية المتتالية 13 دولة من أوروبا الوسطى والشرقية والجنوبية، وهي دول تحصل في الغالب على أموال من بروكسل أكثر مما تساهم به في الميزانية، بما فيها دول ذات اقتصادات ديناميكية مثل بولندا وقبرص ومالطا.
وفي المقابل، فإن معظم الدول الغنية في شمال وغرب أوروبا التي بقيت خارج الاتحاد، مثل النرويج وسويسرا وليختنشتاين وآيسلندا، إضافة إلى المملكة المتحدة بعد «بريكست»، تتمتع بمستويات دخل أعلى من المتوسط الأوروبي.
لماذا قالت آيسلندا «لا»؟
السيادة أولًا
كان شعار معارضي الانضمام واضحًا: آيسلندا أصبحت دولة مزدهرة من دون عضوية الاتحاد الأوروبي، فلماذا تتنازل عن جزء من سيادتها؟
ويبلغ الناتج المحلي للفرد في آيسلندا أكثر من 80 ألف يورو، متجاوزًا المتوسط الأوروبي بنحو 30%، ما يجعل الحجة المالية للانضمام أقل إقناعًا لدى شريحة واسعة من الآيسلنديين.
«حروب سمك القد».. جرح السيادة القديم
ثم يأتي ملف الصيد، وهو بالنسبة للآيسلنديين أكثر من مجرد قطاع اقتصادي.
فالصيد يمثل نحو 8% من الناتج المحلي وأكثر من ثلث صادرات البلاد، لكن أهميته تتجاوز الأرقام بكثير.
ولا تزال «حروب سمك القد» التي خاضتها آيسلندا مع بريطانيا خلال سبعينيات القرن الماضي بسبب مناطق الصيد والحصص، حاضرة في الذاكرة الوطنية، وأصبحت رمزًا لصراع البلاد من أجل التحكم في مواردها وسيادتها.
ومن هنا، فإن الخضوع للسياسة الأوروبية المشتركة في قطاع الصيد يُنظر إليه لدى معارضين للانضمام باعتباره خطًا أحمر.
لا إغراء ماليًا كبيرًا
على عكس الدول التي ترى في عضوية الاتحاد بوابة للحصول على مساعدات واستثمارات ضخمة، لا ترى آيسلندا مكسبًا ماليًا واضحًا من العضوية الكاملة.
فالبلاد، مثل النرويج، تتمتع أصلًا بإمكانية الوصول إلى السوق الأوروبية الموحدة، وتشارك في برامج أوروبية مثل «هورايزون» و«إيراسموس»، مقابل مساهمات مالية.
وبالتالي، فإن الانضمام الكامل لا يبدو بالنسبة لكثير من الآيسلنديين صفقة مالية رابحة، بل قد يعني التزامات إضافية من دون عائد واضح.
المعركة أكبر من بروكسل
الاستفتاء لم يكن مجرد تصويت على علاقة آيسلندا بالاتحاد الأوروبي، بل امتد إلى سؤال أوسع يتعلق بموقع البلاد في عالم تتزايد فيه أهمية القطب الشمالي.
ومع تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة وروسيا والصين على النفوذ والمصالح في المنطقة، يرى أنصار البقاء خارج الاتحاد أن الاحتفاظ بالقرار المستقل يمنح آيسلندا مساحة أكبر للمناورة في بيئة جيوسياسية تتغير بسرعة.
صفعة استراتيجية لبروكسل
وترى صحيفة «لوتون» السويسرية أن الرفض الآيسلندي يحمل خسارتين للاتحاد الأوروبي: الأولى تتمثل في فشل بروكسل في استقطاب دولة غنية ومستقرة يمكن أن تضيف وزنًا اقتصاديًا وسياسيًا للاتحاد، والثانية تتمثل في تراجع طموحه لتعزيز نفوذه في القطب الشمالي.
كما أن انضمام آيسلندا كان يمكن أن يمنح دفعة للنقاش داخل النرويج بشأن علاقتها بالاتحاد الأوروبي، خصوصًا أن الناخبين النرويجيين رفضوا الانضمام في استفتاءين سابقين عامي 1972 و1994.
السؤال الذي يحرج بروكسل
النتيجة الآيسلندية تضع الاتحاد الأوروبي أمام معادلة صعبة:
هل أصبح الاتحاد أكثر جاذبية للدول التي تحتاج دعمه المالي، وأقل جاذبية للدول الغنية التي لا تحتاج إلى أمواله؟
وبحسب هذا الطرح، فإن استمرار هذا النمط قد يفرض على بروكسل إعادة التفكير في سياساته، خصوصًا في ملفات السيادة والصيد والزراعة، إذا كان يريد جذب الدول التي يملك ثقلها الاقتصادي والاستراتيجي قيمة حقيقية للاتحاد.
آيسلندا قالت «لا».. لكن الرسالة التي وصلت إلى بروكسل تتجاوز آيسلندا بكثير.
متابعات