شهناز حمادة : النجاح لا يعوّض الاستنزاف

ليست كل الأزمات التي تواجه المؤسسات ناتجة عن نقص الخبرة أو ضعف الكفاءات، ولا كل من يحمل لقباً قيادياً يملك مقومات القيادة الحقيقية. أحيانًا تكون المشكلة أعمق من ذلك بكثير؛ تبدأ من رأس الهرم نفسه؛ في وعيه، وطريقة تفكيره، وقدرته على إدارة ذاته قبل فريقه.

فالقيادة لا تُختبر فقط في لحظات النجاح، بل تظهر أيضًا في كيفية التعامل مع الأزمات، وإدارة العلاقات، والحفاظ على التوازن وسط التحديات اليومية. ومن هذا المنطلق، تعمل شهناز حمادة، المتخصصة في القيادة المؤسسية ومؤسسة “هارموني كونسلتينغ”، مع القيادات التنفيذية ورواد الأعمال لمساعدتهم على تطوير أسلوب قيادة أكثر وعيًا، انطلاقًا من إيمانها بأن تطور المؤسسات يبدأ من تطور الأشخاص الذين يقودونها. 

فبينما تنفق المؤسسات الكثير على تطوير المهارات والأدوات العملية، يبقى تطوير الوعي الذاتي، والذكاء العاطفي، والقدرة على فهم السلوك الإنساني، الجانب الأكثر تأثيرًا والأقل حضورًا في برامج القيادة.

شهناز حمادة تكشف لـ”فوشيا” أسرار القادة الحقيقيين

في هذا الحوار الخاص مع “فوشيا”، نناقش مع شهناز حمادة ما لا يُقال عادة عن القيادة؛ القادة الذين يحققون النجاح لكنهم يدفعون ثمنه استنزافًا، والطموح حين يتحول من قوة دافعة إلى عبء خفي، وصورة المرأة القوية التي اعتادت تحمّل كل شيء، وصولًا إلى السؤال الأهم: هل يحتاج القائد إلى المزيد من المهارات، أم إلى فهم أعمق للإنسان الذي يقف خلف هذه القيادة؟.

تستثمر المؤسسات في تطوير المهارات، لكنها تغفل تطوير الإنسان. برأيك أيهما يترك الأثر الأكبر في صناعة قائد فعّال؟

تطوير الإنسان، دون أدنى شك.

فالمهارات ليست سوى أدوات، والأداة لا تكون فعّالة إلا بقدر كفاءة الشخص الذي يستخدمها. لقد عملت مع قادة يمتلكون جميع الكفاءات التقنية على الورق؛ الشهادات، والمنهجيات، والمصطلحات، ومع ذلك كانوا يحققون أداءً أقل من المتوقع، أو يخلقون بيئات عمل سامة، أو يصلون إلى مرحلة الاحتراق الوظيفي.

وفي المقابل، تعاملت مع قادة لم يحصلوا على نفس القدر من التدريب الرسمي، لكنهم استثمروا في معرفة أنفسهم، وإدارة ردود أفعالهم، وفهم تأثيرهم على من حولهم. هؤلاء هم القادة الذين استطاعوا بناء إنجازات استثنائية.

تلجأ المؤسسات غالبًا إلى تطوير المهارات لأنه أمر سهل القياس والتنفيذ؛ يمكن إدراجه ضمن ميزانية التدريب ووضع علامة “تم الإنجاز”. أما تطوير الإنسان كفهم الهوية، والأنماط السلوكية، والوعي الذاتي، والذكاء العاطفي فهو أكثر عمقًا، وأصعب في القياس، لكنه العامل الحقيقي الذي يُحدث تحولًا في أسلوب القيادة.

كل أزمة قيادية طُلب مني المساعدة في حلها كان محورها إنسان، وليس نقصًا في المهارات. كانت المشكلة دائمًا في شخص لم يعرف نفسه بما يكفي ليدرك ما كان يصنعه من تأثير حوله.

تقولين إن القيادة تبدأ من الداخل. متى يدرك القائد أن التحدي الحقيقي ليس فريق العمل أو ظروف المؤسسة، بل الطريقة التي يقود بها نفسه؟

غالبًا ما يحدث ذلك عندما يكتشف أن المشكلة نفسها تلاحقه أينما ذهب. قد يغادر قائد فريقًا صعبًا، ليجد فريقًا مشابهًا في المؤسسة التالية. وقد يعيد مؤسس هيكلة شركته، ثم تعود المشكلات نفسها للظهور مع أشخاص مختلفين. وقد تأخذ امرأة إجازة للتعافي من الاحتراق الوظيفي، ثم تجد نفسها بعد أشهر قليلة في الحالة ذاتها.

عندها يصبح من الصعب إلقاء اللوم على الظروف، لأن الظروف تغيّرت بينما بقي النمط كما هو. وهنا يظهر السؤال الحقيقي “ما هو العامل المشترك في كل هذه المواقف؟” والإجابة، في النهاية، هي: القائد نفسه.

وأود أن أقول ذلك بلطف ولكن بوضوح: هذه اللحظة ليست فشلًا، بل هي بداية القيادة الحقيقية. فكل ما سبقها كان مجرد اكتساب للمهارات.

أما عندما يستطيع القائد أن ينظر بصدق إلى أنماطه الشخصية، وردود أفعاله، وتجنبه للمواجهات، أو سعيه للكمال، أو حاجته للسيطرة، ويقول “هنا يبدأ عملي الحقيقي” عندها فقط يصبح التغيير ممكنًا ومستدامًا.

للأسف، يصل معظم الناس إلى هذه المرحلة بعد الألم. أما رسالتي فهي مساعدة القادة على الوصول إليها قبل أن يصبح الألم هو المعلم الوحيد.

تتحدثين كثيرًا عن الذكاء العاطفي، ومع ذلك لا يزال البعض يعتبره “مهارة ناعمة”. هل أصبح اليوم أحد أهم مؤشرات نجاح القائد؟

في الحقيقة، كان الذكاء العاطفي دائمًا أهم مؤشر للقيادة الناجحة، لكننا كنا نتجاهل أهميته.

لقد بُني عالم الأعمال لسنوات طويلة على نموذج يكافئ الحزم، والسلطة، وكبت المشاعر. وكانت المشاعر تُعتبر أمرًا شخصيًا، بينما عُدّت الهشاشة ضعفًا، وأصبح القائد الناجح هو من يحقق النتائج مهما كانت التكلفة الإنسانية.

هذا النموذج حقق نتائج بالفعل، لكنه أيضًا تسبب في معاناة كبيرة داخل فرق العمل، والعائلات، وحتى لدى القادة أنفسهم. اليوم لم يصبح الذكاء العاطفي أكثر أهمية مما كان عليه، بل أصبح من المستحيل تجاهل تكلفة غيابه.

فبيانات الصحة النفسية للموظفين، ونسب الاحتفاظ بالمواهب، ودراسات الثقافة المؤسسية، كلها تؤكد أن أفضل الفرق أداءً يقودها أشخاص يعرفون كيف يديرون أنفسهم، ويفهمون الآخرين، ويبنون الثقة، ويعالجون الخلافات دون تدمير العلاقات.

وصف الذكاء العاطفي بأنه “مهارة ناعمة” كان دائمًا وسيلة للتقليل من قيمته. فليس هناك أي شيء “ناعم” في القدرة على إدارة جهازك العصبي تحت ضغط هائل، أو تقديم ملاحظات صعبة بطريقة تساعد الطرف الآخر على تقبلها.

هذه قدرات تُبنى عبر سنوات طويلة من العمل على الذات والقادة الذين يمتلكونها ليسوا قادة ضعفاء… بل قادة استثنائيون.

تعملين عن قرب مع كبار التنفيذيين ورواد الأعمال. هل الطموح قوة تدفع الإنسان إلى الأمام، أم أنه قد يتحول أحيانًا إلى عبء خفي؟

الإجابة هي: كلا الأمرين.

وبالنسبة لكثير من القادة الذين أعمل معهم، فإن الطموح يكون مصدر قوة وعبئًا في الوقت نفسه. فالطموح هو الوقود الذي يجعلك تستيقظ مبكرًا، وتواصل بعد الرفض، وتبني عندما يتوقف الآخرون. إنه نعمة، ولا أعتبر الطموح أبدًا مشكلة لدى عملائي.

لكن الطموح عندما ينفصل عن الوعي بالذات يتحول إلى قيد. عندما يكون الدافع للإنجاز نابعًا من الحاجة المستمرة لإثبات القيمة، أو الخوف من فقدان المكانة، أو ربط الهوية بالكامل بالنجاح الخارجي، فإنه يتوقف عن كونه قوة، ويصبح استنزافًا دائمًا.

وأكثر ما أراه هو القائد الذي حقق كل ما كان يحلم به، ومع ذلك لا يزال يشعر بأنه غير كافٍ. يصل إلى هدف مالي، فيضع هدفًا أكبر فورًا. يحصل على التقدير، لكنه لا يمنح نفسه حتى فرصة للاستمتاع به قبل أن يبدأ بمطاردة الإنجاز التالي.

هذا ليس طموحًا صحيًا إنه قلق يرتدي ثوب الطموح. ولهذا يبدأ عملي مع هؤلاء القادة بمساعدتهم على التمييز بين الطموح الذي ينبع من الرغبة الحقيقية، والطموح الذي يولده الخوف.

فأحدهما مستدام… والآخر لا يجلب الرضا أبدًا.

فلسفتك تقوم على أن “الأشخاص الأصحاء يبنون مؤسسات صحية”. ما أول تغيير ينبغي لأي قائد أن يقوم به إذا أراد بناء بيئة عمل أكثر إنسانية ودعمًا؟

توقفوا عن الحديث عن الرفاهية… وابدؤوا بتجسيدها في ممارساتكم اليومية. هذا هو أول تغيير يحتاج إليه أي قائد يرغب في بناء بيئة عمل صحية وإنسانية. فأكثر ما ألاحظه في المؤسسات التي ترفع شعار “الإنسان أولًا” هو وجود فجوة واضحة بين ما يُقال وما يُمارس.

فالقيم تُكتب على الجدران، وبرامج الرفاهية تُدرج ضمن المزايا، لكن الواقع يخبرنا بشيء مختلف؛ فالقائد يرسل رسائل البريد الإلكتروني بعد منتصف الليل، ويتجاوز وقت الغداء، ويعمل وهو في حالة إنهاك، ثم يتوقع من فريقه أن يحافظ على المستوى نفسه من الأداء.

الحقيقة أن الناس لا يتبعون ما يقوله القادة، بل يتبعون ما يفعلونه وما يسمحون بحدوثه داخل المؤسسة. ولهذا فإن أول تغيير لا يبدأ بسياسة جديدة أو برنامج إضافي، بل بقرار شخصي ينعكس في السلوك اليومي للقائد. أن يأخذ إجازته فعلًا، وأن ينهي الاجتماعات في وقتها، وأن يقول بكل شفافية: “أحتاج إلى التوقف قليلًا لأستعيد صفاء ذهني” بدلًا من تمجيد الإرهاق والاستمرار رغم الاستنزاف، وأن يعترف بأن بعض المواقف صعبة بدلًا من التظاهر بأنه لا يتأثر أبدًا.

هذا التحول من استعراض القوة إلى تجسيد الاستدامة الإنسانية هو ما يصنع الفارق الحقيقي في ثقافة المؤسسات، لأنه يمنح الآخرين الإذن بأن يكونوا صادقين مع أنفسهم، وأن يحترموا حدودهم الإنسانية دون شعور بالذنب. ففي النهاية، لا يمكن لقائد مستنزف أن يبني مؤسسة صحية، لأن صحة المؤسسة تبدأ دائمًا من صحة من يقودها.

هل ساهم تمجيد صورة “المرأة القوية” التي تتحمل كل شيء ولا تشتكي في إخفاء إرهاقها النفسي والعاطفي؟

نعم، وأعتقد أننا جميعًا ساهمنا في رسم هذه الصورة، بما في ذلك النساء أنفسهن.

إن صورة “المرأة القوية” جذابة لأنها تستند إلى حقيقة واقعية. فالمرأة العربية، على وجه الخصوص، اضطرت لأن تكون قوية. لقد واجهت توقعات اجتماعية، وتحديات مهنية، ومسؤوليات أسرية، وضغوطًا تتعلق بالحضور والمكانة، وهي تحديات لم يختبرها كثيرون بالطريقة نفسها. بالنسبة للكثيرات، لم تكن القوة خيارًا، بل ضرورة.

لكن مع مرور الوقت، انتقلنا من تقدير قوة المرأة وإنجازاتها إلى مطالبتها بأن تكون مثالية في كل أدوارها؛ ناجحة في عملها، حاضرة في أسرتها، وقادرة على إدارة كل المسؤوليات من دون تعب أو تراجع. وهذا معيار يصعب على أي إنسان تحقيقه. فبدأنا نخلط بين القوة والتحمل المستمر، وبين القوة وعدم الحاجة إلى أي شخص، وبين القدرة على حمل الجميع من دون أن تسمح لنفسها بأن تجد من يحمل عنها.

وأصبحنا نمجد هذه الصورة، ونتنافس حول من تستطيع أن تتحمل أكثر من دون أن تنهار. لكن هذه ليست قوة حقيقية بل مجرد استعراض للقوة، يستنزف النساء من الداخل بصمت.

أكثر النساء اللواتي أعمل معهن ويعانين من الاحتراق النفسي ليسوا الفاشلات، بل الناجحات اللواتي حققن معايير مستحيلة، ثم واصلن رفع سقفها باستمرار. يبدون من الخارج في قمة النجاح، بينما من الداخل يشعرن بالإنهاك والخوف من مجرد فكرة التوقف.

نحن بحاجة إلى إعادة تعريف صورة المرأة القوية امرأة تستطيع أن تقول “أحتاج إلى المساعدة”، امرأة تختار الراحة من دون شعور بالذنب، امرأة تقود وهي ممتلئة بالطاقة والسلام الداخلي، لا وهي تستنزف آخر ما لديها.

هذه المرأة ليست أضعف… بل أكثر حكمة، وهي النموذج الذي يحتاجه الجيل القادم.

نسمع كثيرًا عن إدارة الوقت، لكنك تتحدثين عن إدارة الطاقة. لماذا تعتقدين أن الطاقة أصبحت العملة الحقيقية للقيادة والنجاح؟

لأن الوقت مورد ثابت، أما الطاقة فهي مورد متغير. فجميعنا نملك أربعًا وعشرين ساعة في اليوم، لكن ما يميز القادة الحقيقيين ليس عدد الساعات التي يعملونها، بل نوعية الطاقة التي يدخلون بها إلى تلك الساعات. فقد تحقق ساعتان من التركيز الكامل والحضور الذهني والصفاء العقلي نتائج تفوق ما يمكن إنجازه خلال عشر ساعات من العمل وأنت مرهق، مشتت، ومثقل بالضغوط.

لقد أصبحنا اليوم مهووسين بإدارة الوقت؛ نبحث عن أفضل الجداول، وأحدث التطبيقات، وأكثر الأنظمة كفاءة، ونسعى باستمرار إلى زيادة الإنتاجية. لكننا كثيرًا ما نغفل العنصر الأهم في هذه المعادلة، وهو الإنسان الذي يعيش داخل هذا الجدول. فالقائد الذي ينام أربع ساعات فقط، ويعاني من ضغوط أسرية، وقلق مستمر بشأن العمل، ويعتمد على القهوة ليستطيع مواصلة يومه، لن يصبح أكثر كفاءة مهما كان جدول أعماله منظمًا.

والطاقة لا تقتصر على الجانب الجسدي فحسب، بل تشمل أيضًا الطاقة الذهنية التي تمنحنا القدرة على التفكير بوضوح واتخاذ القرارات السليمة، والطاقة العاطفية التي تساعدنا على التعامل مع الآخرين بهدوء واتزان، إضافة إلى الحضور الحقيقي، أي أن تكون حاضرًا بالكامل مع من أمامك، لا أن يكون عقلك منشغلًا بالضغوط والقلق في كل لحظة.

لذلك، فإن إدارة الطاقة تعني أن تمنح النوم الأولوية من دون شعور بالذنب، وأن تعرف ما الذي يعيد شحن طاقتك وتلتزم به، وأن تلاحظ علامات الاستنزاف مبكرًا قبل أن تتحول إلى أزمة يصعب احتواؤها.

ففي نهاية المطاف، القائد المستنزف يستنزف كل من حوله، بينما القائد الذي يحافظ على طاقته يصبح مصدر قوة وإلهام لفريقه، وعائلته، ولنفسه أيضًا.

ما المهارة الإنسانية التي سيحتاجها قادة المستقبل أكثر من أي وقت مضى، حتى في عصر الذكاء الاصطناعي؟

القدرة على أن تجعل الآخرين يشعرون بأنهم مرئيون، ومسموعون، ومفهومون بصدق.

في عصر يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي أن يحلل البيانات، ويولد المحتوى، ويحسن العمليات، ستصبح القيمة الحقيقية للقائد في ما لا تستطيع التكنولوجيا تقديمه.

فالناس لا يريدون فقط أن تتم إدارتهم أو التواصل معهم بكفاءة، بل يريدون أن يشعروا بأن أحدًا يراهم كأشخاص، بكل ما يحملونه من ظروف، ومخاوف، وطموحات، واختلافات.

الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يفهم الكلمات، لكنه لا يستطيع أن يدرك ما وراءها. يستطيع أن يحلل ما قيل، لكنه لا يشعر بما لم يُقل. ولا يمكنه أن يعرف متى يحتاج الإنسان إلى تحدٍ يدفعه للأمام، ومتى يحتاج إلى دعم يمنحه الطمأنينة.

ومع ازدياد اعتمادنا على التكنولوجيا، ستصبح المهارات الإنسانية أكثر قيمة من أي وقت مضى؛ مثل التعاطف، والحضور الحقيقي، والقدرة على الإصغاء بعمق، واحتواء الآخرين في لحظات ضعفهم، والشجاعة لإجراء الحوارات الصادقة التي تتطلبها العلاقات المهنية والإنسانية.

وهذه القدرات لا تُكتسب من خلال الدورات التدريبية وحدها، بل تنمو عندما يعمل الإنسان على نفسه، ويفهم تجاربه، ويطور وعيه بذاته. لذلك، فإنها ليست “مهارات ناعمة” كما يصفها البعض، بل هي أعلى مستويات الذكاء الإنساني.

لو أتيحت لكِ فرصة الجلوس مع شهناز قبل 10 سنوات، ما الفكرة التي ستخبرينها بأنها لم تكن صحيحة حول القيادة أو النجاح؟

كنت سأقول لها إن كون الآخرين يحتاجون إليكِ لا يعني بالضرورة أنهم يقدّرون قيمتك.

قبل عشر سنوات، كنت أفتخر بأنني الشخص الذي يعتمد عليه الجميع. كنت دائمًا متاحة، أقول نعم لكل طلب، أتحمل المزيد من المسؤوليات، وأبقى حتى آخر لحظة لإنجاز كل ما يُطلب مني. وكنت أعتقد أن هذا هو الدليل الحقيقي على قيمتي، وكفاءتي، وأهميتي.

لكنني أدركت لاحقًا أن الحاجة المستمرة إليك ليست دائمًا علامة نجاح، بل قد تكون مؤشرًا إلى وجود خلل، سواء في بيئة العمل، أو في الحدود التي تضعها لنفسك، أو في المعتقدات الداخلية التي تدفعك إلى إثبات قيمتك من خلال العطاء المستمر.

كنت أخلط بين إنتاجيتي وقيمتي الشخصية. وكنت أظن أنني ما دمت أُنجز باستمرار، فأنا في أمان. لكن الحقيقة أنني كنت أستنزف نفسي تدريجيًا، وأفقد ذاتي بصمت.

ولو استطعت أن أعود إلى تلك النسخة مني، لقلت لها: قيمتك لا تعتمد على مقدار ما تقدّمينه للآخرين، ولا تحتاجين إلى أن تثبتي استحقاقك في كل مكان تدخلينه. يحق لك أن تضعي حدودًا، وأن تقولي “لا”، وأن تعترفي بأنك لا تعرفين كل شيء. فأنتِ إنسانة قبل أن تكوني وظيفة أو دورًا تؤدينه.

كما كنت سأخبرها، بلطف أكبر مما كنت سأستوعبه آنذاك، أن القوة التي كنت أفتخر بها كانت حقيقية، لكنها كانت أيضًا تخفي شيئًا أعمق. وأن أعظم إنجاز في حياتي لم يكن الوصول إلى هدف جديد، بل امتلاك الشجاعة للتوقف، والنظر إلى داخلي، ومواجهة ما كنت أتجنب رؤيته.

فذلك العمل الداخلي هو الذي غيّر كل شيء، وجعلني أفهم أن النجاح الحقيقي يبدأ عندما نتصالح مع أنفسنا، لا عندما نواصل الهروب منها.

متابعات

إقرأ ايضا

زر الذهاب إلى الأعلى