تتصاعد حالة الغليان القبلي في محافظة الجوف شمال شرقي اليمن، وتتواصل منذ نحو أسبوع توافد الوفود القبلية من مختلف المحافظات اليمنية شمالها وجنوبها، وذلك استجابةً للدعوة التي أطلقها الشيخ القبلي البارز “حمد بن فدغم الحزمي”.
وتحوّلت المطارح القبلية، والتي أُطلق عليها مُسمى (مطارح الكرامة) في منطقة الريان بمديرية خب والشعف شرقي المحافظة، موقع “النكف القبلي” إلى احتشاد قبلي غير مسبوق في مشهد وُصف من أوسع حالات الحشد القبلي المرتبط بقضية اجتماعية منذ سنوات.
ويأتي هذا الحراك القبلي، على خلفية قضية السيدة العراقية “ميرا صدام حسين”، التي تحتجزها ميليشيا الحوثي، بعد أن جرى الاستحواذ على ممتلكاتها في صنعاء من قبل القيادي الحوثي البارز وتاجر السلاح الشهير “فارس مناع”.
وتأخذ قضية “ميرا صدام” وضعًا استثنائيًا، كونها وبعد سنوات من نهب عقارها في العام 2017، وانسداد كافة السُبل القانونية والعُرفية والقبلية في وجهها، والتي لجأت إليها السيدة العراقية في صنعاء لاسترداد ممتلكاتها، غير أن الأجهزة المعنية بما فيها القيادات الحوثية والمشايخ القبلية لم تستطع أن تُقدم لها شيئًا، ما دفعها للجوء إلى الشيخ بن فدغم أحد أبرز مشايخ دهم في محافظة الجوف.
واكتسبت قضية “ميرا صدام” أهمية قبلية بالغة الحساسية لدى الشيخ بن فدغم، كونها قدمت له مظلمتها لنصرتها بعد أن قامت بقصّ خصلة من شعرها، وهو ما يعني في العُرف القبلي اليمني، أنها باتت في حكم واحدة من أهل بيته وصارت من عرضه، حتى استرداد لها حقوقها.
وتفتح هذه التطورات الباب أمام التوقعات بشأن مستوى “السقف” الذي يمكن أن تذهب إليه، خصوصًا بعدما تجاوزت القضية إطارها الفردي لتتحوّل إلى أزمة استقطبت تضامنًا قبليًا واسعًا، وامتدت تداعياتها إلى محافظات يمنية عديدة.
وقالت مصادر قبلية لـ”إرم نيوز”، تجاوزت المكونات القبلية التي حضرت، وأعلنت استجابتها لدعوة النكف القبلي عشرات القبائل، وتضم القبيلة الواحدة المئات من أبنائها، وكل قبيلة تصل ومعها ترسانة مختلفة من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة، مع استمرار وصول وفود جديدة في مختلف الأوقات، في مؤشر على اتساع التفاعل مع القضية.
وأشارت المصادر، إلى أن عناصر ميليشيا الحوثي تتمركز على بعد 100 كيلو متر خارج منطقة الريان، وتحديدًا في منطقة خاضعة لسيطرتهم.
وكان الشيخ “بن فدغم”، ومنذ وصوله إلى محافظة الجوف، بعد أكثر من نحو 40 يومًا من احتجازه من قبل الحوثيين في صنعاء، على خلفية القضية، بعد أن طلبوا منه السفر إلى صنعاء رفقة صاحبة الشأن “ميرا صدام” لتداول ومناقشة القضية، وما كان من الحوثيين غير أنهم غدروا بهما وقاموا باحتجازهما في أحد سجونهم، ودعا إلى هذا النكف.
ومنذ ذلك الوقت لم يحدث أي احتكاك مسلح بين الطرفين، باستثناء وقوع اشتباكات أمس الأول الاثنين عقب محاولة الحوثيين اعتراض طريق إحدى المجموعات القبلية المتجهة إلى منطقة التجمع، وهو ما أسفر، طبقًا للمصادر، عن مقتل أحد عناصر الميليشيا وإصابة عدد من الجرحى من الجانبين.
وبموازاة مع ذلك، امتدت تداعيات القضية إلى مديرية أرحب شمالي صنعاء، حيث أفادت المصادر، بحدوث توتر نجم عن اعتراض عدد من أبناء المنطقة الرواية التي تحاول الميليشيا تسويقها بأن “ميرا” ليست عراقية وليست ابنة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وإنما هي تنتمي لقبيلة الزبيري هذه وتُدعى “سُمية الزُبيري”، وعلى وقع ذلك قامت الميليشيا بتنفيذ حملة اعتقالات طالت عددًا من المشايخ القبليين والوجهاء المحليين.
وتتجه الأنظار صوب دلالات هذا الاصطفاف القبلي ومدى قدرته على فرض واقع جديد، وفي هذا السياق قال الناشط القبلي ربيع القرشي، إن النكف القبلي المتصاعد في الجوف، يعكس تنامي حالة الرفض الشعبي والقبلي لسياسات الحوثيين، وقد يُمثّل نقطة تحوّل إذا تُرجم إلى موقف قبلي موحد وخطوات عملية.
ويتوقع القرشي، وهو أحد المشاركين المتواجدين في النكف القبلي، في حديثه لـ”إرم نيوز”، أن يتجاوز هذا الحراك القبلي حدود الجوف، إذ يبعث برسائل إلى قبائل طوق صنعاء، ويفتح المجال أمامها لتحركات قبلية أوسع، خصوصًا إذا توافرت الظروف المناسبة.
من جانبه، قال عضو الهيئة العليا للمجلس الأعلى لاتحاد قبائل اليمن الشيخ أحمد عبدربه أبو صريمة، إن “ما يجري في الجوف، أحدث تحولًا كبيرًا في المشهد اليمني، وألحق ضررًا معنويًا بصورة ميليشيا الحوثي داخل البيئة القبلية”.
وأشار أبو صريمة، إلى أن من أبرز المؤشرات على ذلك تعثّر فعالية قبلية دعا إليها القيادي الحوثي فارس الحباري في مديرية أرحب، بعد اعتراض عدد من أبناء المنطقة على رواية الميليشيا بشأن القضية، معتبرًا أن ذلك يعكس تراجع قدرة الجماعة التأييد داخل الأوساط القبلية، بالزخم التي اعتادت عليه.
وأضاف أبو صريمة، لـ”إرم نيوز”، أن استمرار هذا المسار قد يدفع مختلف الأطراف إلى إعادة النظر في طبيعة المواجهة، واصفًا ما يجري بأنه تطور لافت وغير مسبوق في المشهد القبلي.
وبدوره، قال الإعلامي العسكري راشد معروف، في تصريح لـ”إرم نيوز”، إن النكف الحالي يتميّز كونه من الحالات “النادرة”، التي تشهد التفافًا لقبائل من مختلف المحافظات حول قضية واحدة، بعيدًا عن الانقسامات السياسية والحزبية.
ولفت معروف، إلى ما يمثّله هذا “التوافق” من تطور هام، لا سيما في ظل ما وصفه بمحاولات الميليشيا على مدار السنوات الماضية لإضعاف البُنية الاجتماعية والقبلية ومنع تشكيل موقف قبلي موحّد، منوهًا في الوقت نفسه إلى أن مستقبل التحركات سيظل مرتبطًا بمدى استجابة الحوثيين للمطالب القبلية، مع بقاء جميع الاحتمالات مفتوحة.
متابعات