استطاعت الفنانة مي فاروق أن تحجز لنفسها مكانة خاصة، مستندة إلى صوت استثنائي ينتمي إلى مدرسة الطرب الأصيل، ورؤية واعية تسعى إلى الجمع بين احترام التراث وصناعة الحاضر. لم تكن خطواتها عشوائية، بل جاءت مدروسة، قائمة على الإيمان بالموهبة، والعمل الجاد، والبحث الدائم عن مساحات أوسع للتواصل مع الجمهور العربي بمختلف أذواقه وأجياله.
في حوار الأسبوع مع موقع “فوشيا”، تقف المطربة المصرية مي فاروق، عند محطات مفصلية في رحلتها الفنية، من تأثير الحفلات التي أحيتها في المملكة العربية السعودية على انتشارها، إلى علاقتها بتراث أم كلثوم، وكواليس ألبومها الأخير، ورؤيتها لمعنى النجاح والاستمرار، وصولًا إلى موقفها الحاسم من خوض تجارب لا تنتمي إلى قناعاتها الفنية، في حوار صريح، يحمل بين سطوره صوت فنانة تعرف جيدًا ماذا تريد، وإلى أين تمضي.
مي فاروق: حفلاتي في السعودية أحدثت فارقاً
ما الذي أضافته مشاركاتك في حفلات المملكة العربية السعودية إلى مسيرتك الفنية وانتشارك الجماهيري؟
مشاركتي في حفلات “موسم الرياض” و”موسم جدة”، خلال السنوات الماضية شكّلت إضافة مهمة جدًا لمسيرتي الفنية، وأسهمت بشكل واضح في زيادة انتشاري ونجاحي على مستوى الجمهور العربي. وأود أن أُرجع الفضل، بعد توفيق الله سبحانه وتعالى، إلى الدعم والثقة الكبيرين اللذين منحتني إياهما هيئة الترفيه بالمملكة العربية السعودية برئاسة المستشار تركي آل الشيخ، من خلال إتاحة الفرصة لي للتواجد والمشاركة المستمرة ضمن هذه المواسم الفنية الكبرى. وهذه المشاركات منحتني مساحة أوسع لتقديم نفسي للجمهور بصورة حقيقية وأكثر شمولًا، كما أتاحت لي التعرف على شرائح جديدة من الجمهور الذين لم تتح لهم فرصة الاستماع إلى صوتي من قبل. وقد لمست منهم محبة واحترامًا كبيرين، وهو ما أقدّره كثيرًا وأعتز به؛ لأنه يمثل دافعًا قويًا لي للاستمرار وتقديم الأفضل دائمًا.
اشتهرتِ بتقديم كلاسيكيات الطرب وأغنيات أم كلثوم، كيف استطعتِ الخروج من هذا الإطار وتقديم نفسكِ بشكل مختلف من خلال ألبوم وأعمال غنائية خاصة بكِ؟
أم كلثوم تمثل المدرسة الكبرى التي تعلمنا جميعًا على يديها، وهي قدوتي الفنية حتى اليوم. تعلمت منها الكثير، وكانت البوابة الأولى التي عرّفت الجمهور بموهبتي وصوتي. عندما قررت تقديم نفسي للجمهور، بدأت بأغنيات كوكب الشرق، وكانت تلك الخطوة أساسية في مسيرتي. ويسعدني أن أجد هذا القبول والحب المستمر من الجمهور لهذا اللون الغنائي، لكن في الوقت نفسه، أؤمن بأن على كل فنان أن يصنع بصمته الخاصة ويعبر عن ذاته، مع الحفاظ على الجذور والاحترام الكامل للتراث.
هل ترين أن المطرب الذي يسعى لإثبات صوته وقدراته الفنية لا بد أن يمر بمرحلة غناء الطرب الأصيل والكلاسيكيات؟
ليس بالضرورة، لكنني أؤمن بالمقولة التي تقول: من لا ماض له، لا حاضر ولا مستقبل أمامه. الغناء الكلاسيكي والطربي يمثل الأساس الحقيقي لأي مطرب، حتى وإن لم نعاصر تلك الحقبة. هذه المدرسة العريقة تمنح الفنان أدواته الحقيقية، ومن دون الاستفادة منها، يصعب تقديم جديد يمتلك هوية واضحة وقيمة فنية راسخة.
مي فاروق: ألبوم تاريخي” منحني طاقة إيجابية
ألبومك الأخير “تاريخي” حقق نجاحًا ملحوظًا، إلى أي مدى لبّى طموحاتك وأحلامك الفنية؟
أنا سعيدة للغاية بخطوة الألبوم، وأكثر سعادة بردود أفعال الجمهور وحبهم للأغنيات. هذا النجاح أسعدني كثيرًا ومنحني طاقة إيجابية كبيرة. أما عن مدى تحقيقه لطموحاتي، فأستطيع القول إنه حقق لي الكثير من أحلامي، وربما أكثر مما كنت أتوقع. أشعر بالرضا والامتنان، وأتمنى أن تحمل المرحلة المقبلة نجاحات أجمل وأكبر.
تعاونتِ في الألبوم مع أسماء بارزة، مثل: تامر عاشور، عزيز الشافعي، ونادر حمدي. ما أبرز الكواليس التي لا تُنسى من هذه التجربة؟
جميعهم فنانون كبار وقيمة فنية حقيقية، لكن الأهم بالنسبة لي أنهم أصدقاء مقربون إلى قلبي. كانوا ينتظرون هذه الخطوة منذ فترة طويلة، وشاركوني فيها بكل حب وصدق، وكأن الأمر يخصهم شخصيًا. وكل واحد منهم بذل مجهودًا كبيرًا وسعى معي بإخلاص، لذلك يصعب عليّ أن أوجه الشكر لشخص دون الآخر، لأنهم جميعًا كانوا جزءًا أساسيًا من هذا العمل الذي أعتز به كثيرًا.
ارتبط بك مؤخراً لقب “السلطانة”، هل أحببتِه؟ وهل كان مقصودًا توثيقه في إحدى الأغنيات؟
اللقب جاء بمحض الصدفة، وأنا أقدّر أي كلمة جميلة يقولها الجمهور من القلب، لأنها تعكس حبًا وتقديرًا كبيرين. لكن أكثر اسم أعتز به وأحبه هو اسمي فقط: مي فاروق. وارتباط اللقب بالأغنية جاء لأن الكلمة وردت في سياقها، وربما ربطها الجمهور بي، لكن الأمر لم يكن مقصودًا على الإطلاق.
ما أكثر رد فعل أسعدك بعد صدور ألبوم “تاريخي”؟ هل كانت مكالمة أم تعليقًا من الجمهور؟
أكثر ما يسعدني حقًا هو رسائل الجمهور الذين لا أعرفهم شخصيًا، وكلماتهم الصادقة ودعواتهم الطيبة. هذا النوع من الدعم هو ما يمنحني الدافع الحقيقي للاستمرار ويشعرني بقيمة ما أقدمه.
مي فاروق: لن أمثل وتركيزي على الغناء
من داخل الوسط الفني، من أكثر شخص فاجأك بتعليق أو تهنئة؟
في الحقيقة، الجميع أسعدني. كل الفنانين كانوا سعداء بهذه الخطوة وباركوا لي بحب صادق. هم إخوتي قبل أن يكونوا زملاء مهنة، ولذلك أفضل ألا أذكر اسمًا بعينه حتى لا أظلم أحدًا.
بعد كل هذا النجاح، هل هناك شيء لو عُرض عليكِ ستقولين: لا، لقد انتهى وقته بالنسبة لي… مثل خوض تجربة التمثيل؟
مستحيل. فالتمثيل لم يكن يومًا ضمن طموحاتي، ولن يكون في المستقبل. أشعر أن الله منحني موهبة في مجال محدد، وتركيزي الكامل فيه هو سر نجاحي. الدخول في مجال لا أجيده قد يؤثر سلبًا على ما حققته، وأنا أفضل أن أظل مخلصة لما أبرع فيه.
متابعات