لم يعد المحتالون بحاجة إلى رسائل ركيكة أو مكالمات مشبوهة لخداع ضحاياهم، بعدما منحتهم تقنيات الذكاء الاصطناعي أدوات قادرة على تقليد الأصوات البشرية وصياغة رسائل احترافية وانتحال هويات أشخاص وجهات موثوقة بدرجة يصعب معها اكتشاف الخداع من النظرة الأولى.
وبات من الممكن أن يتلقى شخص مكالمة بصوت يشبه صوت أحد أفراد أسرته يطلب خلالها تحويل مبلغ مالي عاجل، أو رسالة إلكترونية تبدو صادرة عن مصرفه أو إحدى الجهات الحكومية، بينما يقف وراءها محتال يحاول الاستيلاء على أمواله أو معلوماته الشخصية.
ومع اتساع استخدام هذه التقنيات في عمليات الاحتيال، تبرز أربع علامات تحذيرية قد تساعد المستخدمين على اكتشاف الخطر قبل الوقوع ضحية له.
أولًا: الاستعجال والتهديد لاتخاذ قرار فوري
تبدأ بعض محاولات الاحتيال بإثارة الخوف والضغط النفسي، من خلال إبلاغ الضحية بوجود مشكلة خطيرة تتطلب تصرفًا عاجلًا.
وقد يتلقى الشخص اتصالًا من متحدث يدّعي أنه موظف في محكمة أو جهة حكومية، ويبلغه بصدور أمر قانوني ضده، أو يطالبه بتقديم رقم الضمان الاجتماعي وغيره من البيانات الحساسة لتجنب الاعتقال أو العقوبة.
ويستغل المحتالون عامل الوقت لمنع الضحية من التفكير أو التحقق من صحة الادعاءات.
وفي هذه الحالات، ينبغي عدم تقديم أي معلومات أو تحويل أموال، وإنهاء الاتصال ثم التواصل مباشرة مع الجهة المعنية باستخدام رقم هاتف رسمي وموثوق.
وينطبق الأمر نفسه على المكالمات التي تبدو صادرة عن أفراد الأسرة، خصوصًا إذا تضمنت استغاثة مفاجئة أو طلبًا ماليًا غير معتاد.
ثانيًا: رسائل إلكترونية تبدو رسمية وتحذرك من إغلاق حسابك
لم تعد الأخطاء الإملائية واللغوية وسيلة موثوقة لاكتشاف رسائل الاحتيال، إذ أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على إنتاج نصوص منظمة ومقنعة تحاكي أسلوب المؤسسات الحقيقية.
وقد تصل رسالة تحمل اسم مصرف معروف أو شركة تقنية، وتزعم اكتشاف نشاط مشبوه في الحساب، أو تطالب المستخدم بتغيير كلمة المرور فورًا لتجنب تعليق الخدمة.
وغالبًا ما تتضمن هذه الرسائل روابط تقود إلى صفحات مزيفة صُممت لجمع كلمات المرور أو المعلومات المصرفية.
ولتجنب الوقوع في الفخ، يجب عدم فتح الروابط أو تنزيل المرفقات غير المتوقعة، والدخول إلى الحساب مباشرة من التطبيق الرسمي أو بكتابة عنوان الموقع المعروف في المتصفح.
ثالثًا: طلبات مالية مفاجئة حتى لو كان الصوت مألوفًا
تُعد تقنيات استنساخ الأصوات من أبرز الأدوات التي قد يستغلها المحتالون لإقناع الضحايا بأنهم يتحدثون مع أشخاص يعرفونهم.
فقد يسمع المستخدم صوت قريب أو صديق يطلب تحويل أموال بسبب حادث طارئ، أو يتلقى اتصالًا من شخص ينتحل صفة موظف مصرفي ويطالبه بسداد مبلغ لتجنب تجميد حسابه.
لكن تشابه الصوت أو ظهور رقم هاتف معروف لا يثبتان هوية المتصل، لأن التقنيات الحديثة تتيح تقليد الأصوات والتلاعب ببيانات هوية المتصل.
ولهذا، يُنصح بالتوقف قبل تنفيذ أي تحويل مالي، والاتصال بالشخص المعني عبر رقم محفوظ مسبقًا، أو التحقق من الطلب من خلال قناة اتصال مستقلة.
كما ينبغي الحذر من المطالبات بالدفع عبر بطاقات الهدايا أو العملات المشفرة أو التحويلات غير المعتادة.
رابعًا: التهرب من الإجابة ورفض التحقق من الهوية
قد تظهر حقيقة المحتال عندما يبدأ الطرف الآخر في طرح أسئلة بسيطة للتحقق من صحة المعلومات.
فالشخص الذي يدّعي تمثيل مؤسسة رسمية قد يرفض تقديم تفاصيل يمكن التأكد منها، أو يحاول تحويل الحديث إلى تهديدات وضغوط متكررة.
وقد يصر على استمرار المكالمة، أو يرفض منح الضحية فرصة للتواصل مع الجهة التي يزعم تمثيلها.
ويُعد هذا السلوك مؤشرًا يستدعي الشك، خصوصًا عندما يترافق مع طلب أموال أو بيانات شخصية.
والتصرف الأكثر أمانًا هو إنهاء التواصل والتحقق من المعلومات بصورة مستقلة، دون الاعتماد على أرقام الهواتف أو الروابط التي يقدمها الطرف المشتبه به.
كيف تحمي نفسك من الاحتيال بالذكاء الاصطناعي؟
تبدأ الوقاية من إدراك حقيقة مهمة: الرسالة المصاغة باحتراف، والصوت المألوف، والصورة الواقعية، ليست أدلة كافية على أن الطرف الآخر حقيقي أو جدير بالثقة.
ومن الإجراءات الوقائية المهمة تفعيل المصادقة متعددة العوامل للحسابات، وعدم مشاركة كلمات المرور أو رموز التحقق، وتحديث التطبيقات والأجهزة، وتجنب الكشف عن البيانات المالية والشخصية استجابة لاتصالات غير متوقعة.
ويمكن للأسر أيضًا الاتفاق على كلمة أو عبارة خاصة للتحقق من الهوية عند تلقي طلبات طارئة غير معتادة، مع الحرص على عدم مشاركتها خارج نطاق الأشخاص المعنيين.
وإذا اكتشف المستخدم أنه قدم معلومات حساسة أو أرسل أموالًا إلى جهة مشبوهة، فمن الضروري التواصل فورًا مع المصرف أو مزود الخدمة، وتغيير كلمات المرور المتأثرة، واتخاذ خطوات لحماية حساباته.
تحذير يتجاوز المستخدمين العاديين
لا تقتصر مخاطر الاحتيال المدعوم بالذكاء الاصطناعي على كبار السن أو الأشخاص الأقل خبرة بالتكنولوجيا، إذ يمكن أن يقع ضحيته مستخدمون معتادون على التعامل مع الخدمات الرقمية.
وتكمن خطورة هذه الأساليب في قدرتها على الجمع بين معلومات شخصية حقيقية ورسائل مقنعة وأصوات مصطنعة، بما يجعل محاولات الخداع أكثر صعوبة في الاكتشاف.
ومع استمرار تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، تبقى القاعدة الأهم لحماية الأموال والبيانات هي عدم اتخاذ قرارات مالية أو مشاركة معلومات حساسة تحت الضغط، والتحقق من هوية الطرف الآخر عبر وسائل مستقلة قبل الاستجابة لأي طلب.