طارق العلي: الجمهور صار أكثر وعياً ولا أمانع تقديم قصة حياتي

بين الضحكة التي صنع منها مجدًا جماهيريًا، والجرأة المنضبطة التي حملت قضايا المجتمع إلى خشبة المسرح من دون تجاوز، يظل الفنان الكويتي طارق العلي واحدًا من أبرز نجوم الكوميديا الخليجية الذين حافظوا على حضورهم وتأثيرهم لسنوات طويلة، فهو صاحب رحلة فنية بدأت من المسرح المدرسي، تحولت إلى مشوار حافل بالنجاحات والتجارب الإنسانية والرهانات الفنية التي صنعت شخصيته الخاصة، وجعلته قادرًا على ملامسة نبض الشارع الخليجي بخفة ظل ورسائل تحمل الكثير من الجرأة والوعي.
اليوم، بينما يواصل التحضير لعرض مسرحيته “المايسترو” ضمن ليالي عيد الأضحى المبارك في الكويت، يبدو أن العنوان لا يخص العمل فقط، بل يعكس أيضًا رحلته الفنية والحياتية، وكأن النجم الكويتي طارق العلي “مايسترو” يدير إيقاع مسيرته فوق خشبة المسرح وخارجها، متنقلًا بين الكوميديا والقضايا الاجتماعية والنجاحات الجماهيرية التي رسخت مكانته كأحد أبرز نجوم الكوميديا الخليجية.
وفي حوار الأسبوع مع موقع “فوشيا”، يتحدث طارق العلي بصراحة عن بداياته الأولى، وأصعب القرارات التي واجهها، ورؤيته للجرأة في الفن، كما يكشف جانبًا مختلفًا من حياته بعيدًا عن الكوميديا، ويتطرق إلى استثماراته الخاصة وإطلاق براندات باسمه، ومحاولات البعض إسقاطه، وأعماله المقبلة، مؤكدًا أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بحجم الجدل أو الضجة، بل بقيمة ما يقدمه الفنان لجمهوره.
طارق العلي: لم أواجه رفضاً أو تهميشاً ووالدتي أكبر داعم لي
View this post on Instagram
كيف جاءت أول خطوة لدخولك مجال الفن؟ وما أبرز ما تتذكره من تلك اللحظة؟
البدايات الجميلة لا يمكن أن أنساها، فقد بدأت علاقتي بالفن من خلال المسرح المدرسي والأنشطة الفنية التي كانت تُقام داخل المدرسة. أتذكر أنني قُدمت لي شخصية أب يعاقب ابنه الراسب، وخلال المشهد اندمجت في التمثيل لدرجة أنني ضربت الطفل بالعصا بالفعل، فبكى وغادر الفصل، ليقوم المدرس بعدها بمعاقبتي وضربي أيضًا، لكنها تبقى من الذكريات الطريفة والجميلة التي ما زالت عالقة في ذهني حتى اليوم.
ذكريات كثيرة جعلتني أحب المسرح، وبدأت أتدرج في الأنشطة الصيفية والأندية ومراكز الشباب، ثم انتقلت إلى مسرح الشباب المدعوم من الدولة، وهناك حصلت على جائزتين في التمثيل ضمن مسابقات الأندية، إضافة إلى تكريمي في مهرجان شباب المسرح الخليجي. وبعد ذلك التحقت بالمعهد العالي للفنون المسرحية، ومنه بدأت رحلتي الفنية التي ما زلت أواصلها حتى اليوم.
هل واجهت في بداياتك رفضًا أو تهميشًا؟ وكيف تعاملت مع ذلك؟
على العكس تمامًا، لم أواجه أي تهميش أو رفض، بل وجدت دعمًا كبيرًا من أسرتي والمحيطين بي. والدي توفي وأنا طفل صغير، لكن والدتي الراحلة “أم سامي” كانت أكبر داعم لي، وكانت تؤمن بموهبتي وتشجعني دائمًا، إلى جانب دعم العائلة وأبناء المنطقة.
كما أن الأجواء الأسرية كان لها دور مهم في تكوين شخصيتي الفنية، فكنا نجتمع في المنزل ونغني فن السامري الكويتي، وكانت والدتي تشاركني الغناء في تلك الجلسات العائلية الجميلة. لذلك أستطيع القول إنني حظيت منذ البداية بدعم وتشجيع كبيرين من أسرتي.
ما القرار الأصعب الذي اتخذته في مسيرتك وكان نقطة تحول حقيقية؟
في بداياتي كانت أمامي عدة خيارات ومسارات مهنية، فقد تقدمت للعمل في الجيش والبترول، كما التحقت بالدراسات التطبيقية في معهد التكنولوجيا، لكنني في النهاية اخترت المسرح والفن. كان هذا القرار من أصعب القرارات في حياتي، خاصة أن العائلات في ذلك الوقت لم تكن تنظر إلى دراسة المسرح باعتبارها مستقبلًا مهنيًا مضمونًا كما هو الحال اليوم. لكن مع تطور الحركة الفنية ودعم الدولة، انتقل المسرح من تبعية الإعلام إلى التعليم العالي، وأصبح خريجو الفنون المسرحية يحظون بامتيازات وفرص أكبر. ورغم كل ذلك، يبقى اختياري للفن هو أصعب وأهم قرار اتخذته في حياتي.
تُعرف بأعمالك التي تلامس قضايا جريئة ومؤثرة، أين يكمن لديك الخط الفاصل بين الجرأة والتجاوز؟
الجرأة بالنسبة لي تكمن في الفكرة وطريقة الطرح والمضمون الذي يحمله العمل، فعندما أجد نصًا يمتلك أرضية خصبة لتقديم فن جميل وجريء، أشعر بالحماس لتجسيده. أما التجاوز فأنا أرفضه تمامًا، لأنه يعني الخروج عن النص أو تجاوز الحدود الأخلاقية والقانونية، وهو أمر لا أؤمن به. والجمهور يحب الأعمال الجريئة التي تناقش قضايا مهمة بطريقة ذكية ومحترمة، مثل الوحدة الوطنية، ونبذ الطائفية والعنصرية، وغيرها من القضايا الاجتماعية. الجرأة هنا ليست في الإيحاءات أو الإساءة، بل في أسلوب الطرح وقدرته على ملامسة الناس والتأثير فيهم بشكل إيجابي.
هل سبق أن دفعت ثمنًا شخصيًا أو مهنيًا بسبب جرأة طرحك، وهل تعتبر العمل الذي يُثير جدلًا دليل نجاح أم أنه عبء؟
على العكس، أعتبر أن الثمن الجميل لأي عمل هو نجاحه وقبول الجمهور له، والحمد لله نحن نحظى بدعم وتشجيع من الدولة والقيادة طالما أن العمل لا يمس كرامة الآخرين. أما إثارة الجدل فليست دائمًا دليل نجاح، فهناك أعمال تثير ضجة لكنها في الحقيقة تُقابل بردود فعل سلبية من الجمهور. أحيانًا يشاهد الناس العمل بدافع الفضول لمعرفة سبب الجدل، لكن ذلك لا يعني أنه عمل ناجح أو ذو قيمة.
بعض الأعمال قد تحقق نسب مشاهدة عالية بسبب الجدل، لكنها لا تترك أثرًا فنيًا حقيقيًا، بل ربما تنعكس سلبًا على صناعها، وهناك زملاء تعرضوا للمساءلة والتعهد بعدم تكرار بعض الطروحات التي أثارت الجدل. لذلك أؤمن أن النجاح الحقيقي ليس في الضجة، بل في قيمة العمل وتأثيره الإيجابي.
برأيك، هل تغيّر سقف الحرية في الكوميديا الخليجية اليوم مقارنة بالبدايات؟
نعم، فالجمهور اليوم تغير كثيرًا تبعًا للمتغيرات الاجتماعية والسياسية التي تمر بها المنطقة، وهناك فارق كبير بين جمهور المسرح في البدايات والجمهور الحالي الذي أصبح أكثر وعيًا وقدرة على النقاش والتحليل. كما أننا نعيش اليوم وسط أحداث ومتغيرات كبيرة، سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على المسرح والكوميديا وذائقة الجمهور. الجمهور أصبح يريد مشاهدة أعمال تناقش قضاياه الحالية وهمومه اليومية، ولذلك يحاول المسرح دائمًا مواكبة هذه التحولات وتقديم ما يلامس الناس ويعبر عن واقعهم.
ما أكثر شيء تغير في الجمهور مقارنة ببداياتك؟
الجمهور اليوم أصبح أكثر وعيًا وتفاعلًا مع ما يُقدم له، ولم يعد مجرد متلقٍ فقط، بل يناقش ويحلل ويُبدي رأيه بشكل مباشر. كما أن سرعة الأحداث والتغيرات الاجتماعية والسياسية جعلت الجمهور يبحث عن أعمال تواكب واقعه وتعبر عن قضاياه الحديثة، وهو ما فرض على الفنان والمسرح أن يتطورا باستمرار لمواكبة هذا التغيير.
طارق العلي: أنا جد لحفيدة وزوجتي سبب نجاحي
View this post on Instagram
من هو طارق العلي بعيدًا عن الكوميديا والضحك؟
طارق العلي هو فنان وأكاديمي حاصل على الدكتوراه والماجستير من جامعة الإسكندرية، وخريج المعهد العالي للفنون المسرحية، كما أنني أب لأربعة أبناء “بنتين وولدين”، وأصبحت جدًا لأحفاد ابنتي الكبرى. وأعيش اليوم حياة هادئة وسعيدة، وأعتبر أن زوجتي كان لها دور كبير في نجاحي واستقراري، بعد توفيق الله سبحانه وتعالى، فهي وفرت لي أجواء الراحة والدعم التي ساعدتني على الاستمرار والنجاح.
هل الكوميديان شخص حزين في داخله كما يُقال؟
الإنسان الكوميدي أو صاحب الروح الفكاهية يعيش مثل غيره كل مشاعر الحياة، فليس هناك إنسان يخلو من الحزن أو المعاناة، سواء بسبب فقدان شخص عزيز أو ظروف اجتماعية أو ضغوط حياتية. والكوميديان بطبيعته يحاول تحويل هذا الحزن الداخلي إلى طاقة إيجابية وسعادة يمنحها للناس، ولذلك نجد أن كثيرًا من الفنانين الكوميديين يحملون بداخلهم مشاعر إنسانية عميقة، لكنهم يفضلون أن يزرعوا الفرح في قلوب الآخرين.
ما أكثر موقف في حياتك لم تستطع أن تضحك عليه رغم طبيعتك الكوميدية؟
لا يوجد موقف محدد بعينه، لكن هناك مواقف إنسانية مؤلمة لا يمكن للإنسان أن يضحك خلالها، خاصة إذا ارتبطت بالحزن أو المرض أو الفقد. قد يبدو بعض المواقف مضحكًا من الخارج، لكنه يكون مؤلمًا جدًا لصاحبه، ولذلك لا أستطيع أن أتعامل مع الحزن بالسخرية أو الضحك عندما يكون الألم حاضرًا بقوة.
هل تعتبر نفسك مظلومًا فنيًا نقديًا أم أنك حصلت على ما تريده وتستحق؟
الحمد لله أشعر أنني حصلت على الكثير مما كنت أطمح إليه بفضل الله ودعاء الوالدين ومحبة الجمهور. وبطبيعة الحال الإنسان دائمًا يطمح إلى الأفضل والأكثر. أما النقد فهو أمر طبيعي لأي فنان يقدم أعمالًا للجمهور، فهناك نقاد متخصصون يقدمون آراءهم سواء بالسلب أو الإيجاب، إلى جانب الجمهور الذي يتفاعل مع الأعمال بطريقته الخاصة. أحيانًا يكون النقد قاسيًا وأحيانًا يحمل نصائح مفيدة، وهذا جزء طبيعي من مسيرة أي فنان. وبالطبع تعرضت لبعض المواقف والمحاولات من بعض الزملاء لإسقاطي أو التقليل من نجاحي، لكنها باءت بالفشل، لأن النجاح الحقيقي يصعب إيقافه طالما أن الإنسان يعمل بصدق واجتهاد.
طارق العلي: “صاحب بالين كذاب” لذلك فشل مشروع المطعم
View this post on Instagram




