دراسة تحشد أوروبا ضد الغاز الجزائري

وتسلط نتائج الدراسة، الصادرة عن منظمة غرينبيس بدعم من وكالة بلومبرغ، الضوء على تأثير الاحتباس الحراري في الجزائر، التي توفر قرابة 8% من واردات أوروبا من الغاز، وتعد أكبر مورد للقارة بعد روسيا والنرويج.

في خضم بحث أوروبا عن بديل للغاز الروسي وتوجيه بوصلتها نحو شمال أفريقيا، وخاصة الغاز الجزائري، كشفت دراسة جديدة عن أن الخطط الأوروبية على المحك؛ بسبب انبعاثات الميثان في الجزائر، وخاصة من حقل حاسي الرمل، أكبر حقل غاز في الجزائر، وأحد أكبر حقول الغاز في العالم.

وتسلط نتائج الدراسة، الصادرة عن منظمة غرينبيس بدعم من وكالة بلومبرغ، الضوء على تأثير الاحتباس الحراري في الجزائر، التي توفر قرابة 8% من واردات أوروبا من الغاز، وتعد أكبر مورد للقارة بعد روسيا والنرويج.
وغرينبيس مؤسسة عالمية مستقلة تأسست عام 1971، وتكرس جهودها لمناهضة الوقود الأحفوري، ووقف الانتهاكات البيئية، وزيادة الوعي البيئي.
وأظهرت الدراسةأن أكبر حقل للغاز في الجزائر، يُعَد مصدرًا رئيسًا لانبعاثات الميثان لأكثر من 40 عامًا.

ويأتي ذلك في وقت تعتمد فيه أوروبا على الحقل العملاق لزيادة صادرات الغاز الجزائري وتعويض النقص في الإمدادات الروسية، بعد الإقرار بحزمة عقوبات سادسة على موسكو تتضمن حظر النفط الروسي، لكن يبدو أنها خطوة تنطوي على مجازفة خطيرة وستهدد أهدافها المناخية.

إلا أن الدراسة ركزت على انبعاثات الميثان في الجزائر، وتجاهلت دراسات سابقة تبين أن تركمانستان وروسيا والولايات المتحدة في صدارة الدول المسببة لانبعاثات غاز الميثان.

انبعاثات الميثان في الجزائر
حسب تعريف سابق لمنظمة أوابك، يُعَد غاز الميثان ثاني أكبر مسبب للاحتباس الحراري بعد ثاني أكسيد الكربون، ويتسم بقدرته العالية على حبس الحرارة بما يصل إلى 87 ضعفًا مقارنة بجزيء ثاني أكسيد الكربون خلال مدة 20 سنة، وقرابة 28 ضعفًا مقارنة بجزيء ثاني أكسيد الكربون خلال مدة 10 سنوات.

ووفقًا لبيانات الأقمار الصناعية الأخيرة التي جمعها علماء في جامعة فالنسيا الإسبانية، كانت محطة الضغط، التي تساعد في ضخ الغاز الجزائري من حقل حاسي الرمل إلى أوروبا ومناطق أخرى، مسؤولة عن إطلاق غاز الميثان بانتظام منذ عام 1984 على الأقل.

الأقمار الصناعية ترصد سلسلة من انبعاثات غاز الميثان في الجزائر
وتقع محطة ضغط الغاز على بُعد 14 كيلومترًا فقط جنوب مركز الغاز الرئيس في حقل حاسي الرمل.

وقدر الباحثون في جامعة فالنسيا بوليتكنيك معدلات انبعاثات الميثان في الجزائر من محطة الضغط بنحو 4.5 طنًا متريًا/ساعة.

ووفقًا لتقديرات شركة التحليلات الجيولوجية “كايروس إس إيه إس”، أطلق حوض حاسي الرمل قرابة 939 ألف طن من الميثان العام الماضي (2021)، بزيادة 67% عن العام السابق (2020)، ويعادل التأثير المناخي لهذه الكمية من الميثان على المدى القصير الانبعاثات السنوية من نحو 17 مليون سيارة أميركية.

وبحسب بيانات وكالة الطاقة الدولية؛ تمتلك الجزائر ثالث أعلى معدل كثافة إنتاج لغاز الميثان بين موردي النفط والغاز العالميين.

أما بالنسبة للعلماء الذين يعكفون على دراسة بيانات الأقمار الصناعية؛ فإن حقل حاسي الرمل يُعَد بؤرة عالمية لغاز الميثان.

وأمام ذلك، ستسهم الدراسة الجديدة في زيادة الضغط على مشرعي الاتحاد الأوروبي وآمالهم المتعلقة بتشديد الضوابط على تسريبات غاز الميثان داخل الكتلة، ومن المصدرين الرئيسين خارج القارة، وفق ما رصدته منصة الطاقة المتخصصة.

وفي هذا الشأن، قال رئيس سلاسل التجارة والتوريد في وحدة أبحاث الطاقة النظيفة بمؤسسة “بلومبرغ إن إي إف”، أنطوان فانيور جونز، إن الجزائر في موضع قوة بسبب جهود الاتحاد الأوروبي لحظر الوقود الأحفوري الروسي، ويجعلها ذلك أكثر اعتمادًا على الموردين الآخرين.

وتابع: “الضغط على الجزائر لاتخاذ أي إجراء لحل المشكلة سيكون أكثر صعوبة من ذي قبل”.

الجزائر ليست المصدر الأكبر للانبعاثات
تعقيبًا على النتائج السابقة، قال مسؤول بإحدى المنظمات الدولية المتخصصة -الذي تحفظ على نشر اسمه نظرًا لحساسية موقعه- إن توقيت الدراسة التي أعلنتها مؤسسة غرينبيس، وتركيزها على الجزائر كونها مصدرًا للغاز “لافت للنظر”.
وأشار المسؤول إلى أن الدراسة لم تتطرق إلى العديد من الجوانب؛ من بينها شدة انبعاثات الميثان، وهو مقياس يأخذ في الحسبان حجم انبعاثات الميثان بالطن لكل ألف طن نفط مكافئ من الإنتاج، وذلك بهدف المقارنة بين الدول التي تُعَد مصدرة للغاز إلى أوروبا، ومن بينها تركمانستان -على سبيل المثال- التي سجلت حسب تقديرات وكالة الطاقة الدولية معامل 43.4 طن ميثان لكل ألف طن نفط مكافئ.

في المقابل، تصل شدة انبعاثات الميثان في الجزائر إلى نحو 19.5 طن ميثان لكل كيلوطن (ألف طن) نفط مكافئ؛ أي أقل من نصف القيمة المسجلة في تركمانستان.

وقال المسؤول، في تصريحاته  إن هذه النقطة في منتهى الأهمية؛ حيث تسعى دول الاتحاد الأوروبي بشكل حثيث إلى زيادة صادراتها من تركمانستان عبر خط أنابيب “تاب” الواصل من تركمانستان إلى إيطاليا، وهو ما لم تتطرق إليه الدراسة ولو حتى على سبيل المقارنة.

وأوضح أن صورة الأقمار الصناعية التي اعتمدها مقال “بلومبرغ” ضمن سياق نشر الدراسة، اعتمدت فقط على التركيز على انبعاثات الميثان في الجزائر دون النظر للصورة الكاملة، والتي التقطتها الأقمار الصناعية ضمن دراسة سابقة نُشرت مطلع العام الجاري -وتنشرها منصة الطاقة- والتي تشير بوضوح إلى الحجم الكبير لانبعاثات الميثان من حقول النفط والغاز في الولايات المتحدة.

بل إن الدراسة المنشورة سابقًا رصدت أن الحجم الأكبر من انبعاثات الميثان من حقول النفط والغاز جاء من 3 دول هي الولايات المتحدة الأميركية، وروسيا، وتركمانستان، ولكن لم يُشِر مقال بلومبرغ -ولو بالتلميح- إلى هذا الاستنتاج السابق.

الدول العربية تؤدي دورًا ملموسًا
يبدو أن هذا السياق يأتي متجانسًا مع ورقة بحثية لمنظمة أوابك أعدها خبير الغاز والهيدروجين المهندس، وائل حامد عبدالمعطي -ونشرتها منصة الطاقة المتخصصة- التي أوضحت أن الدول العربية حققت نجاحًا ملموسًا في خفض انبعاثات الميثان الناتجة من قطاع إنتاج الغاز الطبيعي.

وبلغت كثافة انبعاثات الميثان (كميات الميثان الهاربة من إجمالي الإنتاج) وفق آخر التقديرات نحو 0.8% من إجمالي الإنتاج، وهي أقل بكثير من المتوسط العالمي البالغ نحو 1.8%.

كما تعمل بعض الدول العربية على خفض شدة/كثافة الميثان من قطاع النفط والغاز إلى ما دون 0.2% خلال السنوات المقبلة.

وأشار عبدالمعطي إلى أن أبرز تحدٍّ يواجه القطاع هو عدم وجود تقنية موحدة لرصد الانبعاثات وتسجيلها، أو حتى طريقة معيارية للإبلاغ والتحقّق من الانبعاثات؛ لذا فإن الدراسات المتوافرة حول حجم الانبعاثات عالميًا تعتمد بنسبة كبيرة على التقديرات، لكنها متقاربة.

أوبك تطرح رؤيتها لخفض انبعاثات الميثان في صناعة النفط والغاز
وأضاف أنه يمكن استرجاع انبعاثات الميثان من قطاع النفط أو الغاز الناتجة عن عمليات التشغيل والصيانة من الناحية الفنية، إلى جانب ذلك ستؤدي أجهزة الرصد المبكر للتسربات دورًا في تسريع إجراء الإصلاحات الضرورية اللازمة، والحيلولة دون تسرب كميات كبيرة.

وبدوره، أوضح الأمين العام السابق لمنتدى الدول المصدرة للغاز، يوري سينتيورين -في تصريحات سابقة- أن الدول الأعضاء في المنتدى تتخذ إجراءات صارمة في سبيل الحد من انبعاثات الميثان من صناعة النفط والغاز، مؤكدًا التزام الدول بتعزيز استدامة القطاع.

تجاهل واضح للدراسات السابقة
عادة ما تشهد منشآت النفط والغاز تسريبات غاز الميثان في أثناء عمليات الصيانة، سواء عند تثبيت الصمامات أو خط الأنابيب، أو من محطات الضغط- المرافق التي تحافظ على تدفق الغاز الطبيعي وضغطه-.
وخلال العام الماضي، أشارت دراسة أجرتها الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، إلى مسؤولية غاز الميثان عن ارتفاع درجات الحرارة بنسبة 20-30%.

وكشفت الدراسة عن أن تركمانستان كانت أكبر مصدر للانبعاثات الفائقة؛ حيث أطلقت أكثر من مليون طن من الميثان بين عامي 2019 و2020، وجاءت روسيا في المرتبة الثانية بأقل من مليون طن، تليها الولايات المتحدة وإيران والجزائر وقازاخستان.

في الوقت نفسه، رصد تقرير لوكالة الطاقة الدولية أن تركمانستان مسؤولة عن ثلث الانبعاثات خلال العام الماضي، إلى جانب ولاية تكساس الأميركية وأجزاء من آسيا الوسطى.

وأوضح التقرير أن انبعاثات منتجي النفط والغاز في الشرق الأوسط كانت قليلة نسبيًا.

ما هي غرينبيس؟
تُعَد منظمة “غرينبيس” أو “السلام الأخضر” من أكثر المنظمات المثيرة للجدل منذ تأسيسها في القرن العشرين؛ فقبل أن تتحول إلى مؤسسة منتشرة في أكثر من 40 دولة، كانت في البداية مكونة من مجموعة صغيرة من النشطاء قبالة سواحل ألاسكا لمناهضة الأسلحة النووية، قبل التركيز على القضايا البيئية والمناخ.

وتأسست في عام 1971، وهي مؤسسة مستقلة لا تقبل أي تمويل من الحكومات أو الشركات أو الأحزاب السياسية، وفقًا لموقعها الإلكتروني.

واعتادت التعبير عن آرائها من خلال الاحتجاجات للتصدي لصناعة الوقود الأحفوري، وعرقلة مواقع الشركات والمؤسسات الكبيرة لحثها على التوقف عن عمليات التنقيب.

وكان آخرها عندما عرقل مجموعة من النشطاء في النرويج ناقلة النفط أوست لوغا باستخدام القوارب الصغيرة، ومنعوها من تفريغ آلاف الأطنان من النفط الروسي في الميناء.

تعهدات خفض الانبعاثات
في الآونة الأخيرة، أصبح وقف تسريبات غاز الميثان أولوية لبعض الحكومات للحد من آثار تغير المناخ، لكن الجزائر لم تُوَقِّع تعهد كوب 26 لخفض الانبعاثات بنسبة 30% بحلول عام 2030، والذي انضم إليه أكثر من 100 دولة.

وفي هذا الصدد، أوضحت شركة النفط والغاز الحكومية الجزائرية والمسؤولة عن حقل حاسي الرمل “سوناطراك”، أن تقديرات غاز الانبعاثات الخاصة بها أقل بكثير مما أُعلن.

وقال المدير العام للشركة، توفيق حكار: “لقد قلصنا انبعاثات حرق الغاز من 9 مليارات متر مكعب إلى 3 مليارات متر مكعب سنويًا.. وأود أن أوضح أننا نفرض استرجاع الغاز المشتعل في جميع العقود مع شركائنا”.

وأشار حكار إلى اجتماع سوناطراك بالبنك الدولي، الذي أشاد بالتقديرات والمنهجية المعتمدة داخل الشركة، مؤكدًا أن سوناطراك ستنشر قريبًا نتائج جديدة تدعم تقديراتها على الأرض بالتعاون مع وكالة الفضاء الجزائرية.

الاعتماد على الغاز الجزائري
على الرغم من كون الجزائر واحدة من أكبر موردي الغاز الطبيعي في أوروبا؛ فإن الحرب الروسية على أوكرانيا قلبت الأسواق رأسًا على عقب، وزاد الاهتمام بالغاز الجزائري.

وشكّلت نسبة واردات القارة العجوز من الغاز الجزائري نحو 12%.
هل تتولى إيطاليا دور موزع الغاز الجزائري في أوروبا؟.. عبدالمجيد تبون يُجيب
ومؤخرًا، وافق رئيس الوزراء الإيطالي، ماريو دراغي، على صفقة مع الجزائر لزيادة واردات الغاز الجزائري وتخفيف اعتماد بلاده على روسيا.

بالإضافة إلى ذلك، تتطلع إسبانيا والمملكة المتحدة لزيادة إمدادات الغاز الجزائري.

في غضون ذلك، أعلن الاتحاد الأوروبي، في وقت سابق من هذا الشهر، مواصلة جهوده لإزالة الكربون من الجزائر، مع تركيز الاهتمام على خفض انبعاثات غاز الميثان.

كما تبنّى الاتحاد الأوروبي مبادرة جديدة لتعزيز التقاط الميثان ضمن خطة “ريباور إي يو” بدلًا من إطلاقه من خلال حرق الغاز، ويهدف لشراء الغاز من شركائه الذي كان مقررًا حرقه أو إطلاقه عمدًا.

ومن شأن ذلك تحفيز شركات الغاز على الابتعاد عن المنتجات التي تتركز على الميثان، وتزويد الاتحاد الأوروبي بمزيد من الوقود؛ فوفقًا لوكالة الطاقة الدولية، يضيع نحو 46 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا؛ بسبب تنفيسه أو حرقه، ويعادل ذلك ثلث ما يستورده الاتحاد الأوروبي -حاليًا- من روسيا.

وحصلت المبادرة على تأييد مبعوث المناخ الأميركي، جون كيري؛ حيث طلب في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس من المشغلين وقف تسريبات الميثان في العالم.

كما أشاد خبراء الميثان بالفكرة كونها حلًا ذكيًا سيسهم في التغلب على أزمة الطاقة بأوروبا.
متابعات

إقرأ ايضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى