الغربة والاغتراب

الاغتراب هو شعور الإنسان الواعي بحاجته إلى وطن، مع وجوده في الوطن الذي ولد فيه ونشأ على حبه، وذلك لأن الوطن هذا يكون قد تغير كثيرا بحيث لم يعد بالإمكان الارتياح إليه. وفي العادة، ينتج الاغتراب هذا حين يتحول الوطن مرتعاً لفكر ظلامي غاشم، أو حقلا ينمو الجهل فيه ويتكاثر كالطحالب التي تتسلق جدارن البيوت العتيقة. أما الغربة فهي احساس الإنسان بالحنين إلى الوطن بعد أن يكون قد هجر الوطن بسبب الحاجة او القمع، حاملا صورة الوطن في مخيلته على شكل ملامح جمالية، وحكايات حب طفولية، وذكريات حلوة ومرة تأبى النسيان.
حين يجتمع الاغتراب مع الغربة في شخص واحد، أي حين يكون الشخص المعني قد شعر بالاغتراب في الوطن قبل الرحيل عنه، وشعر بالحنين للوطن بعد هجره والابتعاد عنه، فإن الشعور الجديد يغدو حالة نفسية غير مستقرة تعيش حياة تنقل دائمة بين أمكنة وأزمنة متباعدة بحثاً عن وطن بديل. لكن الزمن يتكفل بتلاشى الحكايات القديمة التي تُذكر الإنسان بالوطن وثقافته، فيما تتقلص قدرة الوجدان على استحضار ملامح الوطن القديم وجمالياته. وبعد رحلة عمر طويلة مع الغربة والاغتراب، يكتشف الإنسان المغترب هذا أنه لا يوجد وطن لمن هجر وطنه، أو هجره الوطن.
حين يعود مغترب إلى وطنه بعد غياب طويل وكُلُه شوق للوطن والأهل، يجد مفاجأة كبرى تنتظره على بوابة الوطن، هي عبارة عن حقيقة صادمة ومخيفة أحيانا تقول له إن كل شيء في الوطن قد تغير في غيابه، وأن الوطن لم يعد نفس الوطن الذي تركه خلفه، وأن الأهل أصبحوا غير الأهل الذين يعرفهم. ومع الايام يكتشف المغترب أن الوطن اغترب عن تاريخة، وأن الأهل اغتربوا عن ثقافتهم، وأن الحياة تنكرت لماضيها وتراثها. فالوطن كائن حي يتطور مع تقادم الزمن، وليس سهولاً وجبالاً وصحاري وبحارا تعيش حياة ثابتة أبدية. إذ فيما يُغير العمران معالم الوطن كل يوم، ويُبدل التناحر على المال قيم الإنسان كل ساعة، يُشوه النمو السكاني والإعلام التجاري العادات والتقاليد بشكل متواصل، ما يجعل نظرة الأهل لكل شيء في الحياة تتغير، بما في ذلك نظرتهم لكل مغترب عائد إلى وطنه بعد غياب طويل.
الغربة إذن هي حنين الإنسان المغترب للوطن وثقافة الوطن وأهله في الوطن، مع عدم الارتياح لثقافة المكان الذي يعيش فيه بعيدا عن الوطن. ولما كان الشعور بالحنين للوطن يطغى على عقل الإنسان المغترب بين الحين والآخر، فإنه يُقلص قدرة المغترب على التركيز على إدارة شؤون حياته اليومية… فالغربة هي الحنين لمكان يعيش في مخيلة زمان رحل منذ زمن بعيد، ولم يعد له وجود، ولن يعود.
أما الاغتراب فهو عالم افتراضي يعيش المغترب فيه بقايا العمر بعيداً عن ثقافة الوطن، يبحث في داخله عن وطن بديل، مع إدراكه الواعي أنه لن يعثر على وطن مهما طال الزمن. الأمر الذي يعني أن الاغتراب قلق وجودي من الصعب التعرف على هويته ومكانه، ومن الأصعب ايجاد المسكنات الكفيلة بالتغلب عليه واستعادة الشعور بالاطمئنان… إنه محاولة فاشلة للهروب من وجود يعيش خارج الزمان، إلى وجود وزمان ليس لهما مكان. وحين يجتمع الاغتراب والغربة معاً في شخص واحد، فإن شعور الإنسان هذا يتحول إلى حالة تساؤل عن المصير، يغلب عليها الصراع في داخل ذات مغتربة تعيش في مكان غريب متنقلة بين أمس مات ولن يعود، ومستقبل لن يرى النور يوماً مهما طال الزمن.
متابعات / الدكتور محمد عبد العزيز ربيع / صحيفة الدستور




