عزّزت ميليشيا الحوثي حضورها الميداني وعمليات الانتشار العسكري في الأيام الأخيرة، بالتزامن مع إطلاق احتفالاتها بما تُطلق عليه “يوم الولاية”، إذ عمدت إلى نشر شبكة مكثفة من الحواجز الأمنية وتسيير اللجان التابعة لها، بهدف فرض رسوم وإتاوات مالية باهظة تستهدف المواطنين والتجار على حد سواء.
تأتي هذه التحركات القسرية وحملات الجباية الواسعة في وقت يعاني فيه اليمنيون من أزمة معيشية خانقة، وتدهور غير مسبوق في الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، مما يضاعف من حجم الأعباء الملقاة على كاهل السكان في مناطق سيطرتها.
وتصاعدت مؤخرًا العديد من الشكاوى التي أطلقها عدد من التجار وملاك المحال المختلفة وكذلك المواطنون، في مختلف المناطق، بشأن حجم المبالغ التي يفرضها عليهم الحوثيون، كإتاوات تحت مسمى وجوب دفع تلك الأموال كمساهمة احتفالًا بهذه المناسبة، خصوصًا أنها جعلته قياسًا على التبعية والمعاداة، فمن يدفع ترضى عنه، ومن يمتنع يتعرض للمضايقات قد تصل إلى الاعتقال، والقتل أيضًا.
وبالنظر للاحتفالات الحوثية التي توافق 18 ذي الحجة من كل سنة هجرية، يستغرب اليمنيون كمية الصرف المالي ببذخ غير متوقع على التجهيزات وما يرافق ذلك من نشر إضاءات بكميات كبيرة وإطلاق الألعاب النارية بكثافة إلى غير ذلك من المظاهر الاحتفالية الباهظة، في الوقت الذي تمنع منذ سنوات صرف مرتبات الموظفين بداعي عدم توفر الأموال لديها، في تناقض يستدعي الوقوف أمامه.
وفي أحدث بياناتها الراصدة، تطرّقت منظمة الأغذية والزراعة في الأمم المتحدة “الفاو”، للحديث عن الضرائب الإضافية التي فرضتها ميليشيا الحوثي منذ مطلع العام الجاري، مؤكدةً أن تلك الضرائب أدّت إلى زيادة أسعار المواد الغذائية الأساسية، مما قلّل من القدرة الشرائية للأسر.
في غضون ذلك، قالت مصادر مطلعة لـ”إرم نيوز”، إن النقاط الأمنية المنتشرة على الطرق الرئيسية الرابطة بين المحافظات اليمنية، لم تعد مجرد حواجز عسكرية عابرة، بل تحولت إلى ما يشبه “الحدود الدولية” الشائكة داخل جسد الدولة.
وذكرت المصادر أنه، وفي ظل أوضاع الحرب التي طالت أمدها، استحدثت ميليشيا الحوثي نظامًا جمركيًا “هجينًا” وموازيًا لجمارك الدولة، بات يُمثل أحد أبرز التشوهات الهيكلية التي تنهش في بُنية الاقتصاد الوطني، وتُثقل كاهل المواطنين بأعباء معيشية غير مسبوقة.وفي هذا الصدد، وطبقًا لورقة بحثية صدرت عن مركز “المخا” للدراسات الاستراتيجية، تحت عنوان “اقتصاد الحرب.. دراسة ميدانية عن منافذ الجباية الجمركية في مناطق سيطرة الحوثيين”، فإن هذا النظام تطور تدريجيًا من نقاط تفتيش ميدانية محدودة، منذ انقلاب الميليشيا على الدولة في العام 2014، ليتكامل بحلول العام 2023 في شكل شبكة مؤسسية تمتد على طول الطرق الحيوية التي تربط عدن ومأرب وتعز بمناطق الحوثيين وتحديدًا المركز صنعاء.
وتجاوزت هذه المنظومة الحوثية الموازية وظيفتها “الجبائية” التقليدية لتكتسب أبعادًا سياسية وأمنية وسيادية متداخلة، إذ تكشف الدراسة البحثية عن أرقام “صادمة” تعكس حجم التغول المالي لهذه الشبكة، ووصل عدد نقاط الجباية والمنافذ الداخلية الموزعة على مختلف المحافظات إلى 220 نقطة ومنفذًا وذلك العام 2024.
وتُقدّر الإيرادات السنوية التي يجنيها الحوثيون من هذه النقاط، بمبلغ يتراوح بين 90 إلى 120 مليار ريال يمني، لتشكل هذه الجبايات ما نسبته 6 إلى 8% من إجمالي الإيرادات المحلية في مناطق سيطرة الميليشيا، مما يجعلها عمودًا فقريًا لتمويل سلطتهم في صنعاء، وفق الدراسة.
وتشير الورقة البحثية، إلى أن هذا الواقع أدّى إلى “تشوهات عميقة في بُنية الاقتصاد الوطني”، فازدواجية الجباية الجمركية والتحصيلات المتكررة وارتفاع تكاليف النقل بنحو 25-30%، أسهم في زيادة متوسط الزيادة أسعار السلع الأساسية في الأسواق، بحوالي 10-15%، مع تسجيل قفزات أعلى في بعض الفئات والمناطق النائية.
مع ذلك، لا تذهب هذه الأموال الطائلة، بحسب الدراسة، إلى تحسين الخدمات أو صرف مرتبات الموظفين المدنيين المقطوعة عليهم منذ سنوات، بل إن جزءًا معتبرًا من هذه الإيرادات يوجّه مباشرةً لتمويل الآلة العسكرية الحوثية عبر صناديق مخصصة، مثل “صندوق دعم الجبهات” و”هيئة التصنيع العسكري”، مما يحوّل الجمارك الداخلية إلى ركيزة أساسية لتغذية الصراع وإطالة أمد الحرب.
وحذّرت من استمرار هذا النظام الجمركي الهجين، كونه يهدّد بإدامة الانقسام المالي والمؤسسي في البلاد، ويُنتج بنية اقتصادية يصعب تفكيكها خصوصًا في مرحلة ما بعد الحرب، مما يضع عراقيل معقدة أمام أي جهود مستقبلية لإعادة توحيد المؤسسات الوطنية أو البدء في مشاريع الإعمار.
وأكد المحلل الاقتصادي ومُعدّ الورقة البحثية، محمد الجماعي، في تصريح لـ”إرم نيوز”، أن إطلاق وصف “الجهاز الجمركي الموازي” على هذه المنظومة بات يُمثّل توصيفاً اقتصادياً دقيقاً وواقعياً، يتجاوز القراءات والتوصيفات السياسية السطحية.
وأضاف، أن الميليشيا الحوثية، أنشأت شبكة واسعة من المنافذ الجمركية الداخلية تؤدي وظائف مشابهة للجمارك الرسمية من حيث فرض الرسوم، وتنظيم عمليات التحصيل، وإدارة حركة البضائع بين المناطق، لافتًا إلى أن هذه الشبكة أصبحت تعمل ضمن بنية مالية مستقلة عن مؤسسات الدولة، بما يجعلها أقرب إلى منظومة سيادية موازية في المجال الاقتصادي.
وبحسب الجماعي، فإن الجمارك المزدوجة كانت من أبرز العوامل التي عمّقت الانقسام الاقتصادي في اليمن، إذ لم تكتفِ برفع تكاليف التجارة، بل ساهمت في تفكيك السوق الوطنية الموحدة إلى أسواق شبه منفصلة، لكل منها رسومها وإجراءاتها وتكاليف العبور الخاصة بها. وهو ما دفع العديد من التجار إلى تقليص أعمالهم أو تغيير مسارات التوريد لتجنب الرسوم المتكررة، مما أثر مباشرة على انسيابية السلع الأساسية والأدوية ومدخلات الإنتاج.
متابعات