«طفل يمني يعود حيًا بعدما أعلن الحوثيون مقتله ونشروا صورته بين القتلى

خاص / وكالة دفّاق نيوز / بينما كانت أسرته تتلقى نبأ مقتله، وتواجه صدمة فقدانه، كان الطفل اليمني قصي، البالغ من العمر 13 عامًا، لا يزال على قيد الحياة، مصابًا في إحدى جبهات القتال بالساحل الغربي لليمن.

المفارقة الصادمة أن صورة الطفل كانت قد نُشرت ضمن صور قتلى جماعة الحوثي، بعدما أُبلغت عائلته بوفاته، قبل أن تتكشف حقيقة نجاته، وفق رواية مصورة نشرتها قوات العمالقة الجنوبية .

لكن قصة قصي لا تتوقف عند نجاته من الموت؛ فهي تعيد فتح واحد من أخطر الملفات الإنسانية المرتبطة بالحرب اليمنية، وهو تجنيد الأطفال واستخدامهم في الأعمال العسكرية، في ممارسات وثقتها تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان.

طفل بين القتلى.. لكنه لم يكن ميتًا

بدأت فصول القصة، بحسب الرواية المنشورة، عندما وجد قصي نفسه في إحدى جبهات الساحل الغربي، بعدما جرى تجنيده ضمن صفوف جماعة الحوثي، وهو لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره.

وأُصيب الطفل خلال وجوده في الجبهة، لكن ما أعقب إصابته كان أكثر إثارة للصدمة.

فوفقًا للتسجيل المصور الذي نشره إعلام قوات العمالقة الجنوبية، ترك عناصر الحوثيين الطفل مصابًا دون تقديم الإسعافات اللازمة، ثم أبلغوا أسرته بمقتله، وأدرجوا صورته ضمن صور قتلى الجماعة.

وفي الوقت الذي كانت فيه عائلته تعتقد أنها فقدت ابنها، كان قصي لا يزال حيًا.

وتقول قوات العمالقة الجنوبية إن عناصرها عثروا عليه مصابًا، وتمكنوا من إنقاذه ونقله لتلقي الرعاية الطبية، لتتحول قصته من إعلان وفاة إلى واقعة نجاة غير متوقعة.

لماذا يركز الحوثيون على تجنيد الأطفال؟

تفتح قصة قصي الباب أمام تساؤلات بشأن الأسباب التي تدفع جماعة الحوثي إلى استقطاب الأطفال والزج ببعضهم في جبهات القتال، رغم المخاطر التي تهدد حياتهم ومستقبلهم.

وتشير تقارير دولية إلى أن تجنيد الأطفال لدى الجماعة لا يقتصر على استقطاب مقاتلين جدد، بل يرتبط بمنظومة أوسع تشمل التعبئة الفكرية والتدريب العسكري والتأثير في البيئة التعليمية والاجتماعية.

ففي تقريره الصادر عام 2025، وصف فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن تجنيد الأطفال لدى الحوثيين بأنه ممارسة ممنهجة تنفذ عبر شبكة متعددة المستويات، تشمل مؤسسات تعليمية ومراكز صيفية وقنوات تعبئة محلية.

وتساعد المعطيات الواردة في التقارير الدولية على تفسير أبرز أهداف هذه الممارسات وآثارها.

توسيع القوة البشرية في الجبهات

يمثل استقطاب الأطفال وسيلة لزيادة عدد الأفراد الذين يمكن استخدامهم في المهام العسكرية والأمنية.

ولا تقتصر الأدوار التي يؤديها الأطفال المجندون على المشاركة المباشرة في المعارك، بل تمتد إلى حراسة نقاط التفتيش ونقل الإمدادات وأداء مهام مساندة أخرى.

وبذلك يصبح القاصرون جزءًا من منظومة التعبئة العسكرية، رغم المخاطر الجسدية والنفسية التي قد يتعرضون لها.

وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى استخدام أطفال مجندين في أدوار قتالية وغير قتالية، بما يعكس اتساع نطاق استغلالهم داخل التشكيلات المسلحة.

تشكيل جيل موالٍ للجماعة منذ الطفولة

من أبرز الجوانب التي تناولتها تقارير الخبراء الأمميين ارتباط تجنيد الأطفال ببرامج التعبئة الفكرية طويلة المدى.

فبحسب تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة لعام 2025، تستخدم جماعة الحوثي المراكز الصيفية والمدارس والأنشطة الدينية والتعبوية لترسيخ أفكارها لدى الأطفال منذ أعمار مبكرة.

وأشار التقرير إلى أن بعض الأنشطة تستهدف أطفالًا في سن السابعة، من خلال برامج تعليمية وتعبوية تهدف إلى تعزيز الولاء للجماعة.

كما تحدث الخبراء عن تعديلات في المناهج التعليمية واستخدام مواد دعائية تمجد القتال والتضحية، بما قد يسهم في تهيئة الأطفال للانخراط في الأنشطة العسكرية مستقبلًا.

وتشير هذه الممارسات، وفق تقييم الخبراء، إلى أن التعبئة لا تستهدف الاحتياجات العسكرية الآنية وحدها، بل تمتد إلى التأثير في قناعات الأطفال وتوجهاتهم على المدى الطويل.

استغلال الفقر والضغوط على الأسر

في اليمن، حيث أضعفت سنوات الحرب مصادر الدخل والخدمات الأساسية، أصبحت الظروف المعيشية الصعبة عاملًا يزيد تعرض الأطفال لخطر الاستغلال والتجنيد.

ووفقًا لتقارير دولية، تشمل وسائل الاستقطاب تقديم حوافز تعليمية ومادية، إلى جانب استخدام أساليب ضغط وإكراه في بعض الحالات.

وأشار فريق خبراء الأمم المتحدة إلى تعرض أسر ترفض إلحاق أبنائها بالتجنيد للحرمان من بعض المساعدات والاحتياجات الأساسية، بما فيها السلال الغذائية وغاز الطهي.

كما تحدث عن دور قيادات محلية في عمليات التعبئة والضغط على العائلات.

وتوضح هذه الممارسات كيف يمكن استغلال الاحتياجات الاقتصادية والتعليمية للأسر لاستقطاب الأطفال أو دفعهم إلى الانخراط في أنشطة مرتبطة بالجماعات المسلحة.

المدارس والمراكز الصيفية.. من التعليم إلى التعبئة

يفترض أن تكون المدارس مساحة آمنة للتعلم وبناء المستقبل، لكن تقارير دولية رصدت استخدام بعض المؤسسات والأنشطة التعليمية في المناطق الخاضعة للحوثيين لأغراض التعبئة الفكرية والعسكرية.

وأشار تقرير وزارة العمل الأمريكية بشأن أسوأ أشكال عمل الأطفال لعام 2024 إلى توثيق ممارسات تلقين فكري واستقطاب للأطفال نحو الجماعات المسلحة في 34 مدرسة موزعة على ست محافظات يمنية.

كما تناول التقرير تعرض الأطفال للتعبئة والتدريب العسكري في مراكز صيفية تنظمها جماعة الحوثي.

وتكمن خطورة هذه الممارسات في أنها قد تمهد لانتقال بعض الأطفال تدريجيًا من البيئة التعليمية إلى أدوار أمنية أو عسكرية، بدلًا من توفير الحماية اللازمة لهم.

أرقام موثقة تكشف حجم تجنيد الأطفال

تؤكد التقارير الدولية أن قضية تجنيد الأطفال في اليمن تتجاوز الاتهامات المتبادلة بين أطراف الصراع.

فبحسب تقرير وزارة العمل الأمريكية لعام 2024، نقلًا عن بيانات الأمم المتحدة، جرى التحقق من تجنيد واستخدام 182 طفلًا من جانب جماعة الحوثي خلال ذلك العام.

كما وثقت الأمم المتحدة تجنيد واستخدام 23 طفلًا من جانب القوات المسلحة اليمنية، و74 طفلًا من جانب تشكيلات مسلحة موالية للحكومة خلال الفترة نفسها.

ولا تمثل هذه الأرقام بالضرورة العدد الإجمالي للأطفال المجندين، وإنما الحالات التي أمكن التحقق منها وفق آليات الرصد الدولية.

وتوضح هذه البيانات أن الانتهاكات لم تقتصر على طرف واحد، مع استمرار المخاوف الدولية بشأن منظومة تجنيد الأطفال والتعبئة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

من التعبئة الفكرية إلى التدريب العسكري

توضح تقارير الخبراء الأمميين أن تجنيد الأطفال قد يمر بمراحل متعددة، تبدأ بالاستقطاب والتعبئة الفكرية، ثم تتطور في بعض الحالات إلى التدريب العسكري وإسناد مهام أمنية أو قتالية.

وأشار تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة لعام 2025 إلى إخضاع بعض الأطفال لبرامج تعبئة فكرية تستمر نحو 40 يومًا، تليها تدريبات عسكرية لفئات عمرية أكبر.

وتشمل المهام المنسوبة إلى الأطفال المجندين حراسة نقاط التفتيش ونقل المواد والإمدادات وأداء مهام لوجستية، إلى جانب المشاركة المباشرة في القتال.

كما تحدث التقرير عن استقطاب فتيات لأداء مهام تتعلق بالمراقبة وجمع المعلومات والخدمات اللوجستية.

وتعكس هذه التفاصيل اتساع نطاق استغلال القاصرين، وعدم اقتصار الظاهرة على إرسال الأطفال إلى الخطوط الأمامية للمعارك.

ماذا يقول القانون الدولي عن تجنيد الأطفال؟

يحظر القانون الدولي الإنساني تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة أو استخدامهم للمشاركة الفعلية في الأعمال العدائية، ويمكن أن تشكل بعض هذه الممارسات جرائم حرب.

كما يحظر البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة على الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة تجنيد الأشخاص دون الثامنة عشرة أو استخدامهم في الأعمال العدائية.

ولا تقتصر الأضرار التي يتعرض لها الأطفال المجندون على احتمالات الإصابة أو الموت، بل تشمل الحرمان من التعليم، والتعرض للصدمات النفسية، والانفصال عن الأسرة، وصعوبة العودة إلى الحياة الطبيعية.

قصي نجا.. لكن ماذا عن بقية الأطفال؟

لم يكن قصي، بحسب الرواية المنشورة، سوى طفل في الثالثة عشرة وجد نفسه وسط جبهة عسكرية، ثم أصبح اسمه ضمن قائمة القتلى قبل أن يتبين أنه لا يزال حيًا.

ورغم نجاته وحصوله على الرعاية الصحية، فإن قصته تثير أسئلة إنسانية وقانونية بشأن المسؤولية عن تجنيد الأطفال، وحمايتهم من الاستغلال العسكري، وضمان إعادة تأهيل من تعرضوا لهذه التجارب.

وتوضح التقارير الأممية أن معالجة الظاهرة لا تقتصر على منع إرسال الأطفال إلى الجبهات، بل تتطلب أيضًا حمايتهم داخل المدارس، والحد من استغلال الفقر والاحتياجات الأساسية، وتوفير برامج تعليمية ونفسية واجتماعية تساعدهم على استعادة حياتهم.

لقد نجا قصي من مصير أُعلن عنه قبل أن يتحقق، لكن قصته تعيد التذكير بمأساة أطفال آخرين قد لا تتاح لهم فرصة مماثلة للنجاة.

ويبقى السؤال الذي تطرحه هذه الواقعة: كم طفلًا يمنيًا آخر قد يجد نفسه في جبهة قتال، بدلًا من أن يكون بين أسرته وزملائه في المدرسة؟

حماية الأطفال مسؤولية جميع أطراف النزاع

ولا تقتصر الانتهاكات المتعلقة بتجنيد الأطفال على طرف واحد في النزاع اليمني، إذ وثقت تقارير دولية حالات تجنيد واستخدام قاصرين لدى جماعة الحوثي والقوات الحكومية وتشكيلات مسلحة موالية لها.

ويستند هذا التقرير إلى الوقائع المنشورة والبيانات الأممية والحقوقية، مع التمييز بين المعلومات التي جرى التحقق منها بصورة مستقلة والروايات الصادرة عن أطراف النزاع.

وتؤكد هذه المعطيات أن حماية الأطفال من التجنيد والاستغلال العسكري مسؤولية تقع على جميع الأطراف، وأن أي انتهاك لحقوقهم يستوجب المساءلة، بصرف النظر عن الجهة المسؤولة عنه.

إقرأ ايضا

زر الذهاب إلى الأعلى