المهندسة السعودية أرجوان الشريف: التصميم وسيلة لسرد الثقافة

في عالمِ التصميمِ الداخلي المعاصر تبرزُ بوصفها أحدَ الأسماءِ التي أعادت تعريفَ مفهومِ الفخامةِ الهادئة المبنيَّةِ على السردِ، والحِرفةِ، والهويَّةِ الثقافيَّة. هي المهندسةُ السعوديَّة أرجوان الشريف التي أسَّست عامَ 2018 استديو Urjowan Alsharif Interiors، وقدَّمت من خلاله رؤيةً تصميميَّةً تتجاوزُ الشكلَ الجمالي إلى بناءِ مساحاتٍ تُروى بوصفها قصصاً شخصيَّةً متكاملةً، تمزجُ بين الحداثةِ، والذاكرةِ، والعمقِ الثقافي الخليجي.

وتُعدُّ أرجوان، اليوم، من المصمِّماتِ السعوديَّاتِ اللاتي تركن بصمةً عالميَّةً، وقد جاءت مشاركتها الأخيرةُ في Milan Design Week 2026، بالتعاونِ مع Artemest حيث قدَّمت مشروعاً لافتاً، عكسَ رؤيتها في تحويلِ التصميمِ إلى تجربةٍ حسيَّةٍ وثقافيَّةٍ متكاملةٍ ضمن حوارٍ عالمي مع أبرزِ استديوهات التصميم.

أرجوان الشريف
أرجوان الشريف

ما الذي ألهمكِ لدخولِ مجالِ العمارةِ والتصميم، وكيف تحوَّلَ هذا الشغفُ إلى مسارٍ مهني؟

تعودُ أولى شراراتِ اهتمامي بالتصميمِ إلى متجرِ جدتي لفساتين الزفافِ حيث كنت مفتونةً بالأقمشةً الغنيَّة، وتدرُّجاتِ الألوان، وكيف تحملُ كلُّ قطعةٍ قِصَّةً مرتبطةً بمنطقةٍ مختلفةٍ في السعوديَّة. هذه الفكرةُ، بأن التصميمَ يمكن أن يحملَ هويَّةً وتاريخاً، رافقتني منذ الطفولة.

لاحقاً، خلال دراستي الهندسةَ الداخليَّةَ في جدة ثم في سان فرانسيسكو، تطوَّرَ هذا الشغفُ من فضولٍ بصري إلى فهمٍ أعمقَ لتجربةِ الفراغ، وكيف يمكن أن يكون شخصياً ومُعبِّراً. واليوم، ما زال هذا الأساسُ جوهرَ عملي، فكلُّ مشروعٍ أتعاملُ معه بوصفه قِصَّةً وليس مجرد تصميمٍ.

ما أبرزُ التحدِّياتِ التي واجهتكِ بوصفكِ مهندسةً سعوديَّةً في مجالٍ تنافسي، وكيف تغلَّبتِ عليها؟

أحدُ أكبر التحدِّياتِ كان إعادةَ تعريفِ مفهومِ “الفخامة”. في كثيرٍ من الأحيان يتمُّ ربطها بالمبالغةِ، أو الحجم! بينما كنت أميلُ دائماً إلى الفخامةِ الهادئةِ والمدروسة. تأسيسُ هويَّةٍ واضحةٍ حول هذا المفهوم احتاجَ إلى وقتٍ وصبرٍ، لكنَّه أصبح لاحقاً مصدرَ قوَّتي، لأنه جذبَ العملاءَ والمشروعاتِ التي تتماشى مع رؤيتي. كذلك وجدتُ أمامي تحدِّياً آخرَ، هو تحقيقُ التوازنِ بين النموِّ والحفاظِ على العمق، وهذا ما أحرصُ عليه دائماً لضمان بقاءِ العمليَّةِ التصميميَّةِ متأنِّيةً ومبنيَّةً على معنى حقيقي.

ماذا مثَّلت لكِ مشاركتُكِ في Milan Design Week 2026؟

التعاونُ مع Artemest جاء بشكلٍ طبيعي، ونتيجةَ اهتمامٍ مشتركٍ بالحِرفةِ والمواد، ثم، ولأنها منصَّةٌ تحتفي بالتصميمِ القابلِ للاقتناء فقد كان هناك انسجامٌ كبيرٌ مع طريقتنا في تصميمِ المساحات بوصفها «أشياءَ مجمَّعةً عبر الزمن»، وليست مصنوعةً دفعةً واحدةً.

المشاركةُ في Milan Design Week كانت لحظةً مهمَّةً جداً، لأنها لم تكن مجرَّد عرضِ عملٍ، بل وضعت استديو سعودياً ضمن حوارِ تصميمٍ عالمي. أمَّا على الصعيدِ الشخصي، فشعرتُ بأنها لحظةُ اكتمالٍ لمسارٍ بدأ من الإلهامِ في مدينة ميلانو عندما كنت طالبةً، ووصلَ إلى تقديمِ عملٍ يعكسُ هويَّتنا اليوم.

من أعمال أرجوان الشريف
من أعمال أرجوان الشريف

ما مفهومُ المشروعِ الذي قدَّمتِه في ميلانو، وما مصادرُ الإلهامِ وراءَه؟

مشروعنا كان جزءاً من L’Appartamento by Artemest، وهو في العامِ الجاري مبني على رحلةٍ إيطاليَّةٍ رمزيَّةٍ عبر مدنٍ مختلفةٍ. تمَّ اختيارُ خمسةِ استديوهاتٍ عالميَّةٍ لتمثيلِ مدنٍ عدة، وكنا الاستديو الوحيد من الشرقِ الأوسط، ومثَّلنا مدينةَ فلورنسا.

فلورنسا كانت نقطةَ البدايةِ والإلهامِ حيث جذبنا تاريخُها العميق، وروحُها الهادئة، وثقافةُ الحِرفةِ فيها. من هنا، تطوَّرَ المفهومُ إلى «ألكوفا فلورنسية» Florentine Alcova معاصرةٍ: غرفةُ نومٍ حميمةٌ مستوحاةٌ من بيوتِ الريف التوسكاني، وتقاليدِ غرفِ النوم المغلقةِ في عصرِ النهضة.

صمَّمنا المساحةَ بوصفها خاتمةً هادئةً داخل المعرض، تنتقلُ بالزائرِ من الفراغاتِ الاجتماعيَّةِ إلى مساحةٍ داخليَّةٍ أكثر خصوصيَّةً عبر سلسلةِ طقوسٍ مثل النومِ، والقراءةِ، والكتابةِ، والاسترخاء.

كذلك عملنا مع حِرفيين إيطاليين لتطويرِ طبقاتٍ من الطلاءِ اليدوي، والإضاءةِ النحتيَّة، وقطعٍ قابلةٍ للاقتناء، ما خلقَ حواراً بين الماضي والحاضر. وفي الوقتِ نفسه، حملَ المشروعُ بصمتنا السعوديَّة عبر فكرةِ الخصوصيَّةِ، والملاذِ المنزلي بوصفه عنصراً أساسياً في التصميم.

كيف ترين تطوُّرَ حضورِ المرأةِ السعوديَّةِ في منصَّاتِ التصميمِ والعمارة العالميَّة؟

أعتقدُ أن تصحيحَ فكرةِ أن المرأةَ السعوديَّةَ كانت «غائبةً» أمرٌ مهمٌّ جداً. الواقعُ أنها كانت دائماً حاضرةً ومبدعةً، لكنْ ما تغيَّر اليوم هو مستوى ظهورها، ووصولها إلى المنصَّاتِ العالميَّة.

المسألةُ لم تعد فقط في فتحِ الأبواب، بل وأيضاً في التمكينِ الحقيقي، لتكون المرأةُ في موقعِ قيادةٍ وإبداعٍ وتأثيرٍ. اليوم، نرى نساءٍ سعوديَّاتٍ يُقدِّمن رؤى قويَّةً في التصميمِ والعمارة، ليس بوصفهن ممثِّلاتٍ لهويَّةٍ واحدةٍ، بل بوصفهن مبدعاتٍ يُقدِّمن أعمالاً وأفكاراً متكاملةً ضمن الحوارِ العالمي، وهذا بحدِّ ذاته تحوُّلٌ مهمٌّ جداً.

من أعمال أرجوان الشريف
من أعمال أرجوان الشريف

كيف يمكن للعمارةِ والتصميمِ أن يُصبحا أداةً أقوى لسردِ الثقافة؟

التصميمُ يصبح أداةَ سردٍ ثقافي حقيقيَّةً عندما يتجاوزُ الشكلَ السطحي، ويتعاملُ مع طريقةِ العيشِ نفسها. الثقافةُ ليست زخرفةً، وإنما عاداتٌ، وانتقالاتٌ، وطرقُ استخدامٍ للمساحات.

أبدأ دائماً من الملاحظةِ والبحث: كيف يعيشُ أفرادُ المجتمع؟ كيف ينتقَّلون بين الخصوصيَّةِ والعموميَّة؟ وكيف يتعاملون مع الضوءِ والمواد؟ هذه التفاصيلُ هي التي تحملُ الهويَّةَ بشكلٍ حقيقي.

كذلك تلعبُ الموادُّ والحِرفُ دوراً أساسياً في بناءِ هذا السرد، لأنها تُضيف طبقةً من الزمنِ والصدقِ للمساحة. عندما يتمُّ دمجها بشكلٍ صحيحٍ تصبح القِصَّةُ غير مصطنعةٍ، بل تكون طبيعيَّةً ومستمرِّةً.

ما رؤيتُكِ للمستقبل؟

منذ تأسيسِ الاستديو في دبي عامَ 2018، كان النموُّ لدينا تدريجياً وطبيعياً. المرحلةُ المقبلةُ تُركِّز أكثر على العمق، وليس على التوسُّعِ فقط. الرياض تُمثِّل خطوةً مهمَّةً في هذا المسار، خاصَّةً مع التحوُّلِ الكبيرِ الذي تشهده السعوديَّة في مجالاتِ التصميمِ والثقافة. كذلك نعملُ على تعزيزِ وجودِ المواهبِ السعوديَّة داخل الفريق، لأننا نُؤمن بأن المستقبلَ يجبُ أن يعكسَ طاقاتِ المنطقة، وأكثر ما نطمحُ إليه الاستمرارُ في خلقِ مساحاتٍ صادقةٍ، وخالدةٍ، وشخصيَّةٍ.. أماكنُ يمكن للناسِ أن تعيشَ فيها، وتتطوَّر معها مع مرورِ الوقت.

من أعمال أرجوان الشريف
من أعمال أرجوان الشريف

عن الاستوديو: بين الفخامة المصمّمة والهوية الثقافية

من أعمال أرجوان الشريف
من أعمال أرجوان الشريف

تأسَّسَ استديو Urjowan Alsharif Interiors على يدِ المهندسةِ السعوديَّة أرجوان الشريف، ليكون منصَّةً متخصِّصةً في تصميمِ المساحاتِ السكنيَّةِ الفاخرة حسبَ الطلب في منطقةِ الخليج، مع حضورٍ بين دبي والرياض. ويُركِّز الاستوديو على الفللِ الخاصَّة، والمساكنِ العائليَّةِ الراقية، ويتعاملُ مع كلِّ مشروعٍ بوصفه حكايةً مستقلَّةً تنبثقُ من أسلوبِ حياةِ العميل، وذاكرته، واحتياجاته اليوميَّة.ويرتكزُ النهجُ التصميمي على السردِ القصصي حيث تُستَلهم المفاهيمُ من الفنِّ، والتراثِ، وتجاربِ الحياةِ الشخصيَّة.

ويُعدُّ البحثُ العميق، واستكشافُ المواد، وتسلسلُ الفراغات من العناصرِ الأساسيَّةِ التي تمنحُ كلَّ مشروعٍ طابعاً متعدِّد الطبقات. كذلك يتمُّ التعاون بشكلٍ وثيقٍ مع الحِرفيين، وورشِ العملِ المتخصِّصة لتطويرِ عناصرَ مصمَّمةٍ بشكلٍ خاصٍّ من الأثاثِ إلى الإضاءة، والتفاصيلِ المعماريَّةِ الدقيقة في مقاربةٍ تجعلُ الحِرفةَ جزءاً أساسياً من الهويَّة التصميميَّة.

ويمتدُّ تأثيرُ الاستديو اليوم إلى دبي، والرياض، وجدة، والكويت وغيرها من المدن، ليقعَ عند تقاطعِ العمارةِ، والتصميمِ الداخلي، والتصميمِ القابلِ للاقتناء ضمن رؤيةٍ عالميَّةٍ بلمسةٍ محليَّةٍ عميقةٍ.

أرجوان الشريفأرجوان الشريف

متابعات

إقرأ ايضا

زر الذهاب إلى الأعلى