التسويف المنظم

بقلم/ شيماء المرزوقي

أحياناً، في اللحظة التي يجب أن تجلس فيها لإنجاز مهمة ما، تجد نفسك تقوم بالعديد من الأمور الأخرى الثانوية التي ليست حتى لها علاقة بعملك الحالي، وكأنه نوع من تجنب المهمة الرئيسية التي يجب عليك إنجازها، لكن في الواقع، يرى البعض هذا السلوك الشهير من جانب آخر. هذا النوع من التسويف مختلف عن التسويف العادي. أنت فيه منشغل ونشيط، لكنك تنجز كل شيء إلا الشيء الذي يجب أن تفعله. تنظف المنزل، تنظم الملفات، ترد على رسائل قديمة، كل هذا بينما يجلس المشروع أو العمل الحقيقي ينتظرك. الخدعة أنك تشعر بالإنتاجية، لكنك لم تفعل الشيء الوحيد المهم.

الفيلسوف جون بيري من ستانفورد أعطى هذه الظاهرة اسماً علمياً عام 1995 هو «التسويف المنظم» ووصف نفسه بأنه خبير فيها، حيث كتب مقالاً شهيراً بعد أن أجّله لشهور. وحين كتبه أخيراً، لم يكن لأنه وجد وقتاً، بل لأن لديه أوراقاً يجب تصحيحها ومقترحاً بحثياً يجب مراجعته. كتب المقال كوسيلة لتجنب كل تلك المهام.

الفكرة بسيطة، فالمسوفون نادراً ما يجلسون دون فعل شيء، بل يفعلون أشياء مفيدة هامشية، مثل تنظيم الأدراج أو الترتيب أو الإصلاح. لماذا؟ لأن هذه وسيلة لعدم فعل شيء أكثر أهمية. لو كان كل ما تبقى هو تنظيم الأدراج، قد يتم تأجيل هذه المهمة أيضاً، لكن حين يكون هناك شيء أكبر، فإن الترتيب يصبح فجأة جذاباً.

في دراسة تم نشرها عام 2016، وجد الباحثون أن الطلاب الذين يمارسون التسويف الإنتاجي، أي يستبدلون بمهمة لها أولوية مهمة أقل أهمية، يحققون نتائج أفضل من الذين يستبدلون بها أنشطة غير مفيدة. يقول الباحثون في ملخص دراستهم: «التسويف الإنتاجي يستبدل بسلوك تكيفي سلوكاً تكيفياً آخر أقل أهمية، مثل تنظيم الملاحظات بدلاً من الدراسة للامتحان».

السر يكمن في فهم دماغك. العقل يتجنب المهام الضخمة لكنه يحب الشعور بالإنجاز. حين تضع مهمة كبيرة في قمة قائمتك، فإن عقلك يبحث عن مخرج، لكنه لا يريد الشعور بالكسل، فينجز مهام أصغر. الدرس الأهم هنا ليس إيجاد مبرر للتسويف أو اختلاق الأعذار لتأجيل ما يهم، بل هو الوعي بآلية عمل عقلك واستخدامها بذكاء كأداة لكسر حاجز البداية.

التسويف يظل فخاً إذا أبعدك كلياً عن هدفك الأساسي، لكن يمكنك تحويله إلى نقطة انطلاق لإنتاجيتك. لذلك اجعل انشغالك بالأشياء الصغيرة مجرد إحماء رياضي للعقل لتهيئته للمهمة الأهم، وليس خط النهاية الذي تتوقف عنده.

متابعات

إقرأ ايضا

اخترنا لك
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى