هندسة الأمل

بقلم/ شيماء المرزوقي

في اللحظات التي تشتد فيها الأزمات، وتضيق فيها السبل، يميل العقل البشري تلقائياً نحو الخوف والتشاؤم. نرى السواد في كل مكان، ونعتقد أن الأبواب قد أغلقت، وأن الغد لن يحمل سوى المزيد من الألم. لكن التاريخ وتجارب الناجحين تخبرنا حقيقة أخرى، وهي أن اللحظات الصعبة هي دائماً فرصة لولادة فجر جديد، وأن اليأس هو العدو الحقيقي الذي يجب أن نحاربه قبل أن نحارب الظروف نفسها.

في كتاب «علمتني الحياة» لصاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، وتحديداً في فصل: «لماذا القادم أجمل» قدّم سموّه فلسفة حياة كاملة مبنية على التفاؤل. لم يتناول التفاؤل العابر، أو التفاؤل التنظيري، بل يتحدث عن تفاؤل المؤمنين الواثقين بربهم وبقدراتهم. التفاؤل هنا ليس مجرد مشاعر طيبة وإيجابية، بل هو وقود نفسي يحرك الناس والأفراد، نحو البناء والعمل والصبر. حينما تؤمن بأن الغد أفضل، ستعمل من أجله، وستتحمل الصعاب في سبيله، أما حين تستسلم لفكرة أن الأسوأ قادم، فإنك تتوقف عن الحركة، وهذا التوقف هو الموت الحقيقي.

يرى سموّه أن الأمل هو المفتاح الذي يفتح الأبواب المغلقة. عندما نزرع في نفوس الشباب أن المستقبل لهم، وأنهم قادرون على صنع المعجزات، فإننا نفجّر في داخلهم طاقات لا حدود لها، ونعطي قوة الشباب الأمل ليتمكنوا من الإبداع. الأمل يصنع مناعة نفسية ضد الإحباط، ويجعل الإنسان يرى في كل عقبة فرصة، وفي كل سقوط درساً.
يقول سموّه في الفصل ذاته: «القادم أجمل لأن الحياة علمتني أن الإيمان بالمعجزات هو بداية تحقيقها.. والثقة بالذات هي مفتاح قوتها.. والحلم بغد أفضل هو سر تحققه في حياتنا».

الأمر هذا ينطبق على الأمم كما ينطبق على الأفراد، جميعهم يمرون بمرض وتعب، لكن قصتهم لا تنتهي إلا إذا فقدوا الروح المعنوية. القائد الحقيقي هو الذي يعرف كيف يداوي جراح أمته بالأمل، وكيف يعيد إليها الثقة بنفسها بعد الانكسار. إن مهمة القيادة ليست فقط إدارة الموارد والاقتصاد، بل إدارة القلوب والعقول، وتوجيهها نحو المستقبل المشرق. الدول التي تستثمر في صناعة الأمل هي دول خالدة، لأنها تزرع في أرضها بذوراً لا تموت، بذوراً ترويها عزيمة الشباب وإصرارهم على الحياة.

يقول سموّه في هذا السياق: «علمتني الحياة أن من يملك الأمل يملك سبباً للحياة، ويملك قوة للتحمل، ويملك صبراً على الشدائد، ولا تموت أمة تحمل سلاح الأمل».
لذلك القادم أجمل، ليس لأننا نتمنى ذلك فقط، بل لأننا قررنا أن نجعله كذلك. أجمل بالعمل، وأجمل بالعلم، وأجمل بالإيمان الراسخ بأن الله لا يضيع عمل عامل. فلنفتح نوافذنا نحو العالم، ولنطرد اليأس من قواميسنا، فالحياة تنتصر دائماً للأحياء المتفائلين.

متابعات

إقرأ ايضا

اخترنا لك
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى