كيف نقرأ مشاعر الطفل الذي لا يُعبّر بالكلام؟

ليس كل طفل صامت هو طفلا هادئا، وليس كل قلة كلام دليلًا على الرضا. بعض الأطفال لا يملكون اللغة بعد للتعبير عمّا يشعرون به، وبعضهم يملكونها لكنهم لا يجدون الأمان الكافي لاستخدامها.

هنا تحديدًا يبدأ دور الأهل في قراءة ما وراء الصمت، وفهم المشاعر التي لا تُقال بالكلمات.

الطفل الذي لا يعبّر بالكلام لا يعني أنه لا يشعر، بل يعني أن مشاعره تبحث عن طريق آخر للخروج.

كيف تفهمين صمت طفلك؟

في المراحل الأولى من الطفولة، تكون المشاعر أكبر من قدرة الطفل على تسميتها. الخوف، الغضب، الغيرة، وحتى الحزن، كلها أحاسيس معقدة على عقل لم يكتمل نموه اللغوي بعد. لذلك، يلجأ الطفل إلى وسائل أخرى للتعبير: الحركة، السلوك، التغيرات الجسدية، وحتى الصمت الطويل.

الصمت هنا ليس فراغًا، بل رسالة تحتاج إلى إنصات مختلف.

الجسد يتكلم عندما تعجز الكلمات

راقبي لغة الجسد. شدّ الكتفين، تجنب التواصل البصري، العضّ على الأظافر، التململ، أو حتى الالتصاق المفرط بالأم، كلها إشارات لمشاعر غير معلنة. الطفل الذي لا يستطيع قول “أنا قلق” قد يعبّر عن ذلك بآلام متكررة في البطن، أو رفض مفاجئ للمدرسة، أو نوبات بكاء غير مبررة ظاهريًا.

هذه العلامات لا يجب التقليل منها أو تفسيرها على أنها “دلع” أو “عناد”.

اللعب مرآة المشاعر

اللعب هو اللغة الأولى للطفل. من خلال اللعب التخيلي، الرسومات، أو حتى اختيار الدمى، يمكن أن تظهر مشاعر دفينة. طفل يعيد تمثيل مواقف فقد أو انفصال، أو يرسم مشاهد داكنة ومتكررة، قد يكون يحاول معالجة تجربة أثرت فيه ولم يجد طريقة أخرى للتعبير عنها.

هنا، لا نحتاج إلى التحقيق أو الضغط بالسؤال، بل إلى الملاحظة الهادئة والفهم.

السلوك المفاجئ رسالة غير مباشرة

التغير المفاجئ في السلوك غالبًا ما يكون صرخة غير منطوقة. طفل كان هادئًا ثم أصبح عدوانيًا، أو اجتماعيًا ثم انسحب فجأة، قد يكون يمر بتجربة أربكته. الأطفال لا يملكون القدرة على الربط بين السبب والشعور، لكنهم يشعرون بالنتيجة في داخلهم.

السلوك ليس المشكلة بحد ذاته، بل عرض لما يحدث في العمق.

كيف نساعد الطفل على التعبير؟

أول خطوة هي توفير الأمان. الطفل لا يعبّر بالكلام عندما يخشى أن يُوبَّخ، أو يُسخر منه، أو يُقلَّل من مشاعره. عبارات مثل “لا تبكِ”، “الأمر بسيط”، أو “كبر عقلك” تغلق باب التعبير بدل أن تفتحه.

بدلًا من ذلك، استخدمي لغة تصف الشعور دون فرضه:

  • “ألاحظ أنك صامت اليوم”،

  • “يبدو أن هناك شيئًا أزعجك”،

  • “أنا هنا إن أردت أن تخبرني”.

حتى لو لم يتكلم، فهو يسمع ويخزّن هذا الأمان.

التعبير لا يعني الكلام فقط

بعض الأطفال يعبّرون بالرسم، بالحركة، أو حتى بالصمت المشترك. الجلوس قرب الطفل دون إلحاح، مشاركته نشاطًا يحبه، أو قراءة قصة قريبة من تجربته، كلها وسائل تفتح نوافذ صغيرة للمشاعر.

أحيانًا، يكفي أن يشعر الطفل أن مشاعره مرئية، حتى لو لم تُنطق.

متى نحتاج إلى انتباه أعمق؟

إذا استمر الصمت لفترات طويلة، أو ترافق مع أعراض جسدية متكررة، أو تراجع واضح في السلوك أو المهارات، فقد يكون من المفيد استشارة مختص نفسي للأطفال. ليس لأن هناك “مشكلة كبيرة”، بل لأن التدخل المبكر يحمي الطفل من تراكم مشاعر لا يفهمها ولا يعرف كيف يتعامل معها.

الإصغاء الحقيقي… دون استعجال

قراءة مشاعر الطفل الصامت تحتاج إلى صبر، ووعي، وتخفف من توقعاتنا نحن الكبار. الطفل لا يحتاج إلى حلول سريعة، بل إلى من يراه كما هو، لا كما نتمنى أن يكون.

في النهاية، الطفل الذي لا يعبّر بالكلام لا يطلب منا أن نُجبره على الحديث، بل أن نتعلم لغته الخاصة. وعندما يشعر أن صمته مفهوم، قد يجد الشجاعة يومًا ليحوّله إلى كلمات.

متابعات

إقرأ ايضا

زر الذهاب إلى الأعلى