عادة خفية تتراكم ببطء يمكن أن تدمر ثقتك بنفسك تدريجياً

يعد التخلي عن الذات عادة خفية لكنها مدمرة، إذ تضعف الثقة بالنفس من خلال تجاهل احتياجات الفرد وغرائزه باستمرار، سعياً وراء الانسجام أو القبول الخارجي. وعلى عكس الإخفاقات الكبيرة، يعد التخلي عن الذات تراكماً تدريجياً لأفعال صغيرة، مثل نقض الوعود التي يقطعها المرء على نفسه وتجاهل حدسه أو كبت صوته الداخلي.

“الذات المتكيفة”

وفقاً لما نشرته مجلة Forbes، يُعرّف علماء النفس هذه العادة بأنها إعطاء الأولوية ل”الذات المتكيفة” على “الذات الحقيقية”، مما يؤدي إلى فقدان الثقة بالنفس. هذا النمط، الذي يكون غالباً متجذراً في تجارب الطفولة، يبدو فاضلاً ظاهرياً، لكنه في نهاية المطاف يضعف احترام الذات. تتضمن إعادة بناء الثقة بالنفس أفعالاً صغيرة ومستمرة، مثل الوفاء بالوعود التي يقطعها المرء على نفسه، وتقدير الإشارات الداخلية، والتريث قبل الاستجابة التلقائية للمطالب الخارجية. تعيد هذه العملية الثقة بالنفس التي تشكل أساس الثقة الحقيقية.

تهديدات تزعزع الثقة بالنفس

تعبيرية عن الثقة بالنفس - آيستوك
تعبيرية عن الثقة بالنفس – آيستوك

يفترض في بعض الأحيان أن التهديدات التي تواجه الثقة بالنفس هي تلك الظاهرة للعيان، كالفشل أمام الأشخاص أو الانتقادات اللاذعة أو حتى فترة طويلة من الشك الذاتي، لكن العادة التي تلحق الضرر الأكبر والأكثر استدامةً غالباً ما تعمل دون أن تعلن عن نفسها بل تتراكم ببطء.
من بين أبرز الأمثلة يأتي آخر التزام تخلى الشخص عنه بصمت، أو السماح لشخص بتخطي الحدود، أو رد فعل حقيقي تم كبته لصالح رد فعلٍ أسهل. لا تبدو أيٌّ من هذه اللحظات ذات أهمية في حد ذاتها، لكن على مدار أسابيع وشهور تؤدي إلى تآكل تدريجي للثقة التي يكنّها الشخص لنفسه.

“التخلي عن الذات”

يطلق علماء النفس على هذا النمط اسم “التخلي عن الذات”، وهو الميل المزمن لتجاهل احتياجات المرء وغرائزه والتزاماته من أجل الحفاظ على الانسجام الخارجي، أو الحصول على القبول، أو تجنب الشعور بعدم الارتياح. تشير الأبحاث إلى أنه ربما يكون أحد أكثر مصادر الضرر الذي يلحق بالثقة بالنفس، والذي لا يحظى بالتقدير الكافي، تحديداً لأنه نادراً ما يشبه الضرر على الإطلاق، بل يشبه في أغلب الأحيان التصرف بعقلانية.

عادة إهمال الذات

تعبيرية عن الثقة بالنفس - آيستوك
تعبيرية عن الثقة بالنفس – آيستوك

إن إهمال الذات ليس مفهوماً درامياً، وإنما هو نمط متراكم من تجاهل إشارات داخلية لصالح ما يبدو أكثر أماناً اجتماعياً أو متوقعاً خارجياً. يميز علماء النفس بين الذات الأصيلة، أو الجزء من الشخص الذي يسجل ردود الفعل والاحتياجات والقيم الحقيقية، وبين الذات المتكيفة التي تعلم الشخص كبت ردود فعلها للحفاظ على التواصل أو تجنب الصراع.

4 أشكال لإهمال الذات

يتجلى إهمال الذات في أربعة أشكال واضحة، ربما يبدو كل منها عادياً عند النظر إليه بمعزل عن غيره:

1. نكث الوعود: إن كل وعد لا يفي به المرء لنفسه يعد بمثابة معلومة صغيرة لكنها ذات دلالة. إنه يخبر جهازه العصبي أن كلمته لا تحمل أي سلطة حتى بالنسبة لنفسه. لا تستعاد الثقة بالنفس بمجرد النية، بل من خلال تراكم وعود صغيرة يتم الوفاء بها بصبر.

2. تجاهل الحدس: تشير الأبحاث حول الإدراك الحسي الداخلي، وهو قدرة الدماغ على إدراك وتفسير الإشارات الجسدية الداخلية، إلى أن هذه القدرة تلعب دوراً هاماً في اتخاذ القرارات والتنظيم الذاتي. إن الإدراك الدقيق للإشارات الداخلية والاستجابة لها يؤثر على مدى فعالية اتخاذ الشخص للقرارات المصيرية، أما تجاهل هذه الإشارات بشكل اعتيادي فيؤدي تدريجياً إلى تقليل وضوحها وتكرارها.

3.كبت الصوت: إن النمط المتكرر لعدم التعبير عن الرأي، سواء في بيئات العمل أو العلاقات الشخصية أو في العلاقات الأسرية، لا يؤثر فقط على نظرة الآخرين إليك، بل يؤثر أيضاً على نظرتك لنفسك، فكل حالة صمت مختارة توحي داخلياً بأن وجهة نظرك لا تستحق الإزعاج الذي قد يسببه التعبير عنها. ومع مرور الوقت، يصبح هذا الاعتقاد راسخاً أكثر منه حساباً واعياً.

4.التنازل عن القيم: إنه الشكل الأكثر تدميراً. فعندما يتصرف المرء مراراً وتكراراً ضد مبادئه الأخلاقية أو مصلحته الشخصية لإرضاء الآخرين، تكون النتيجة تناقضاً داخلياً يؤدي غالباً إلى تآكل الثقة بالنفس. إنه تراكم لسجل من التصرفات التي تشبه تصرفات شخص لا يعرفه المرء ولا يحترمه.

أسباب تطوير التخلي عن الذات

بالنسبة للكثيرين، ينشأ هذا النمط من تجارب مبكرة شعروا فيها أن الحب أو التقدير مشروط بالامتثال، حيث كان التعبير عن حاجة حقيقية يؤدي إلى الصراع أو الانسحاب أو التجاهل. تربط الأبحاث بين بيئات الطفولة التي تتسم بالتجاهل العاطفي وعدم اتساق الرعاية، وبين ميول البالغين نحو إرضاء الآخرين وكبت المشاعر وتخريب الذات. كانت هذه في الأصل استجابات تكيفية؛ طرقاً للحفاظ على الارتباط في ظل ظروف صعبة. في مرحلة البلوغ، تستمر هذه الاستجابات كردود فعل لا إرادية تجاوزت جدواها منذ زمن طويل.

ما يجعل من الصعب بشكل خاص إدراك التخلي عن الذات هو أنه يتخذ مظهر الفضيلة. يبدو كأنه صبر أو مراعاة أو نضج. إن البيئات التي تكافئ الامتثال والسعي وراء الاستحسان تعززه بنشاط. لا تظهر التكلفة إلا بعد تجاوز عتبة معينة، وعندها يكون النمط قد ترسخ بعمق.
لكن يمكن تفكيك هذا النمط الراسخ عن طريق اتخاذ خطوات صغيرة يمكن التحكم بها يومياً للاهتمام بالنفس وبناء الثقة بها، كما يلي:

تعبيرية عن الثقة بالنفي - آيستوك
تعبيرية عن الثقة بالنفي – آيستوك

1.الالتزام بوعد صغير للنفس: لا تبنى الثقة بالنفس بمجرد الإدراك، بل تتطلب دليلاً.. تراكماً تدريجياً للحظات التي أوفى فيها المرء بما تعهد به لنفسه، وفي هذه الحالة يكون حجم الالتزام أقل أهمية من الثبات على تنفيذه.

2.تقدير الإشارات الداخلية: تشير الأبحاث المنشورة في دورية Frontiers In Psychology حول دقة المشاعر إلى أن القدرة على تحديد الحالات العاطفية الداخلية والتعبير عنها بدقة، بدلاً من اعتبارها شعوراً عاماً بعدم الارتياح، ترتبط بتنظيم أكثر فعالية للمشاعر واتخاذ قرارات أفضل ورفاهية نفسية أكبر.

3.التوقف للحظة قبل الاستسلام. قبل الموافقة أو التأجيل أو الصمت، ينبغي أن يعطي الشخص لحظة لسؤال نفسه إن كان رده الذي سيقدمه يعكس ما يفكر فيه حقاً أو ما يحتاجه. إنها خطوة تساعد على إيقاف آلية التكيف التلقائية للذات، ومع مرور الوقت، يبدأ التعافي من هذه النقطة.

متابعات

إقرأ ايضا

اخترنا لك
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى