تتجه ميليشيا الحوثي إلى دمج أنشطتها الموسمية ضمن المنظومة التعليمية النظامية، عبر تحويل ما يُعرف بـ”الدورات الصيفية” إلى جزء من التقويم الدراسي.
ويرى مختصون أن الخطوة تهدف إلى “توسيع قاعدة التجنيد المبكر وترسيخ أفكار الحوثي الأيديولوجية في أوساط المجتمع اليمني”.
وأفادت مصادر تعليمية في العاصمة صنعاء، بأن السلطات التعليمية في حكومة الحوثيين غير المعترف بها دوليًا تعتزم اعتماد الأنشطة الصيفية كفصل دراسي ثالث في المناطق الخاضعة لسيطرتهم شمالي البلاد، بعد تطبيقها تجريبيًا في عدد من المديريات خلال العام الجاري.
وأوضحت المصادر لـ”إرم نيوز”، أن الجماعة بدأت منذ أواخر مارس/آذار المنصرم تنفيذ هذا الإجراء بشكل تدريجي في أجزاء متفرقة من مناطق نفوذها التي تشهد تراجعًا في أعداد الملتحقين بالمراكز الصيفية، تمهيدًا لإقراره رسميًا وتعميمه على مختلف المحافظات ابتداءً من العام الدراسي المقبل 2026/2027.
وأشارت إلى أن فروع “وزارة التربية والتعليم” الخاضعة للحوثيين في بعض مديريات إب وذمار والحديدة شرعت فعليًا في جعل الالتحاق بالدورات الصيفية شرطًا أساسيًا للتسجيل والحصول على قيد دراسي للعام المقبل في المدارس النظامية.
وفي غضون ذلك، تشير تقارير محلية إلى امتناع العديد من المدارس الحكومية في مناطق سيطرة الحوثيين عن تسليم نتائج الامتحانات النهائية وشهادات انتقال الطلاب إلى المراحل التعليمية التالية، مشترطةً الانضمام إلى الأنشطة الصيفية “غير المرتبطة بالتعليم الذي تكفله الدولة”.
استراتيجية التجنيد
ويرى مراقبون أن تصاعد سياسات الاستقطاب المبكر لدى الحوثيين مرتبط بمتطلبات الانخراط المتزايد في التوترات الإقليمية؛ الأمر الذي يستدعي بناء قاعدة بشرية مؤدلجة على المدى الطويل، تخدم التحركات الخارجية للجماعة وتعزز نفوذها الداخلي.
ووفقًا لـ”المركز الأمريكي للعدالة”، تنقسم هذه الدورات إلى برامج مفتوحة وأخرى مغلقة، تُقسَّم خلالها الفئات العمرية إلى 3 مستويات مختلفة، يتلقى المشاركون فيها موادّ ذات طابع عقائدي وسياسي مستمد من أدبيات الجماعة ومؤلفات مؤسسها.
وبحسب التقرير، تتضمن البرامج المغلقة التي تضم أطفالًا دون سن الخامسة عشرة تدريبات عسكرية أولية، تشمل التعامل مع الأسلحة وبعض المهارات والأساليب القتالية، إلى جانب أنشطة تعبئة فكرية وتحريضية.
من جهته، وثّق فريق مجلس الأمن المعني باليمن، في تقرير العام الماضي، اعتماد الحوثيين على “استراتيجية لتجنيد الأطفال وفق أسلوب ممنهج”، تقودها هيئة التعبئة العامة التابعة لوزارة الدفاع، وتشمل قنوات رسمية وغير رسمية، بينها وزارة التربية والتعليم، لتكريس أهداف الحوثيين الأيديولوجية في أذهان الأطفال.
تنشئة أيديولوجية
يقول أستاذ الفكر التربوي الإسلامي بجامعة صنعاء، أحمد الدغشي، إن ما يجري يتجاوز كونه نشاطًا تعليميًا موازيًا، ليتحول إلى نمط من “التنشئة الأيديولوجية المنظمة” داخل البيئة المدرسية.
وأوضح الدغشي لـ”إرم نيوز”، أن تحويل الفضاء التعليمي إلى منصة لبث مضامين عقدية وسياسية أحادية يقوّض جوهر العملية التربوية القائمة على التعددية وتنمية التفكير النقدي، ويستبدلها بمنظومة تلقين مغلقة تعيد تشكيل وعي الطلاب وفق محددات ضيقة.
وأضاف أن محاولات إدماج هذه الأنشطة ضمن المسار التعليمي، بالتوازي مع التعديلات التي طالت المناهج الدراسية، تعكس توجهًا منظمًا لإعادة صياغة المحتوى المعرفي، بما يكرّس أنماطًا سلوكية قائمة على الامتثال والولاء، ويؤسس هوية فكرية تتماهى مع رؤية الحوثيين.
وبحسب تقديره، فإن هذا التحول في وظيفة التعليم يُنتج أجيالًا مشبعة بالأفكار الإقصائية العنيفة؛ ما يخلق تهديدًا للتماسك الاجتماعي وفرص التعايش يمتد أثره إلى ما بعد الصراع، خصوصًا مع عودة هؤلاء إلى بيئاتهم الحقيقية التي قد لا تتوافق بالضرورة مع ما يتم ترسيخه في أذهانهم.
انتهاكات دولية
من جهته، اعتبر رئيس منظمة “سام” للحقوق والحريات توفيق الحميدي، أن الزج بالمؤسسات التعليمية في مسارات تعبئة غير مدنية يمثل “انحرافًا خطيرًا” في وظيفة التعليم، ويسهم بشكل مباشر في تغذية انقسام المجتمع وإضعاف ولائه الوطني وإطالة أمد النزاع في البلاد.
وقال الحميدي لـ”إرم نيوز”، إن ربط حق الأطفال في التعليم الحر بأنشطة ذات طابع أيديولوجي أو عسكري يضع آلاف الطلاب أمام إكراه غير مشروع، ويحوّل المدرسة من فضاء آمن إلى أداة ضغط تُستخدم في إعادة تشكيل الانتماءات والولاءات المنخرطة في النزاع.
وأشار إلى أن هذه الممارسات تندرج ضمن انتهاكات جسيمة للقوانين الدولية، مؤكدًا أن إدخال القاصرين في برامج التعبئة أو التدريبات العسكرية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، يجعلهم عرضة للاستغلال ويعرض مستقبلهم التعليمي والنفسي لمخاطر طويلة الأمد.
وبيّن الحميدي أن استمرار الحوثيين في هذه السياسات، دون مساءلة قانونية أو تحرك دولي فاعل يتجاوز بيانات الإدانة، يشجعهم على التمادي في انتهاك حقوق الطفولة وتهديد جيل كامل في اليمن.